تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

وسياق القول في القرآن كله يتجه وجهة روحية، ويذكر المرء بربه، ويخوفه من بطشه، ويطمعه فيما أعد للصالحين من جزيل الثواب.

الضعفاء هم الذين اهتدوا إلى الإيمان وعرفوا قيمة النفس الإنسانية

وكان الرسول يتقشف تقشفا صوفيا، وقد دخل عليه عمر بن الخطاب فوجده على حصير قد أثر في جنبه، فكلمه في ذلك فقال: مهلا يا عمر، أتظنها كسرويه.

3

وأتاه رجل بهدية فذهب يلتمس وعاء يفرغها فيه فلم يجد، فقال له: فرغها في الأرض، ثم أكل منها، وقال: آكل كما يأكل العبد، وأشرب كما يشرب العبد، لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء.

4

وفي كتب الشمائل أخبار كثيرة عن تقشف الرسول، وهو نفسه قد عاش في بيئة صوفية، يدل على ذلك نهيه عن الرهبانية، وعن مواصلة الصوم، وهو لم يرغب في الزواج إلا لأنه رأى ناسا يتبتلون، ولم ينه عن وصل الصيام إلا لأنه رأى ناسا يصلون الصيام، وهذا وذاك من سمات التصوف.

والفرق بين تصوف الرسول وتصوف من عاصروه أنه كان يعتدل، وكانوا هم يسرفون.

والقرآن يوصي الرسول بأن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وهذا تأديب للمؤمنين، وفيه اعتراف بشخصية من ينصرف عن زينة الحياة الدنيا وينقطع لذكر الله. وقد ورد اسم المؤمنين في القرآن في سياق يعين نسبتهم إلى الروحانية إذ قال:

إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، ولا يسامح في مهجته إلا أجود الناس، وكان في شمائل الصحابة مصداق لهذه الروحانية، فقد جاد أبو بكر بجميع ماله، وجاد عمر بشطر ماله، فقال له الرسول: ما أبقيت لأهلك؟ فقال: مثله. وقال لأبي بكر: ما أبقيت لأهلك؟ فقال: الله ورسوله. فقال النبي: بينكما ما بين كلمتيكما. فالصديق وفى بتمام الصدق فلم يمسك سوى المحبوب عنده وهو الله ورسوله،

5

وذلك بالتأكيد تصوف وروحانية.

التصوف في سفر أيوب وفي القرآن

التصوف قديم عرفه العرب قبل الإسلام، وتخلقوا به لعهد الرسول، ولكن يظهر أنه لم يكن ملحوظا في كلام الناس، ولم يختصوه بدرس ولا بيان، وكانت الأعمال الروحية تندرج في الأعمال الدينية. وأول من تلفت الناس إلى كلامه في المعاني الوجدانية وأسرار القلوب هو حذيفة بن اليمان الصحابي الجليل، وقد قيل له: نراك تتكلم في هذا العلم بكلام لا نسمعه من أحد من أصحاب رسول الله فمن أين أخذته؟ فقال: خصني به رسول الله

صلى الله عليه وسلم

كان الناس يسألونه عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، وعلمت أن الخير لا يسبقني. وقال مرة: فعلمت أن من لا يعرف الشر لا يعرف الخير. وفي لفظ آخر: كان الناس يقولون يا رسول الله ما لمن عمل كذا وكذا، يسألونه عن فضائل الأعمال، وكنت أقول: يا رسول الله، ما يفسد كذا وكذا، فلما رآني أسأل عن آفات الأعمال خصني بهذا العلم.

6

قال المكي: وكان حذيفة قد خص بعلم المنافقين وأفرد بمعرفة علم النفاق، وبسرائر العلم، ودقائق الفهم، وخفايا اليقين من بين الصحابة، فكان عمر وعثمان وأكابر أصحاب رسول الله

صلى الله عليه وسلم

يسألونه عن الفتن العامة، والفتن الخاصة، ويرجعون إليه في العلم الذي خص به، وكان عمر يستكشفه عن نفسه هل يعلم فيه شيئا من النفاق فبرأه منه، ثم يسأله عن علامات النفاق، وآية المنافق فيخبر من ذلك بما يصلح مما أذن له فيه، ويستعفى مما لا يجوز له أن يخبر به فيعذر في ذلك.

7

ومعنى هذا أن الرسول كان يكتم أسرار التصوف، ولا يمنحها غير الخواص، ومعناه أيضا أن التصوف هو البصر بأسرار القلوب، وما يعرض لها من دقائق الرياء والنفاق.

وعن حذيفة بن اليمان تعلم الحسن البصري وهو إمام الصوفية أثره يقفون، وسبيله يتبعون، ومن مشكاته يستضيئون،

8

وقد كان الحسن البصري أحد المذكرين، وكانت مجالسه مجالس الذكر يخلو فيها مع إخوانه وأتباعه من النساك والعباد مثل: مالك بن دينار، وثابت البناني، وأيوب السختياني، ومحمد بن واسع، وفرقد السنجي، وعبد الواحد بن زيد، وكان يحدث أصحابه في خواطر القلوب، وفساد الأعمال، ووسواس النفوس، وربما قنع بعض أصحاب الحديث ورأسه فاختفى من ورائهم ليسمع ذلك، وكان من خيار التابعين بإحسان، وقد لقي سبعين بدريا ورأى ثلاث مئة صحابي،

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٣٤