شواهد الحياة تؤيد رأي هؤلاء الضعفاء؛ لأن الدنيا حقا فانية، ولأن الإنسان حقا ضعيف، ولا يمتري في هذه الحقائق أحد، فالرجل الهائل الذي يأمر وينهى ويبغي ويستطيل ينقلب في لحظة واحدة إلى مخلوق ذليل حين يدهمه المرض، أوتلسعه حشرة حقيرة، أو يهجم عليه كلب مسعور، أو يتردى في جب عميق.
وهو أذل وأحقر حين يصرعه الموت، وما ظنكم بمخلوق تفارقه الروح فتعلوه صفرة بشعة، وتهب منه ريح يعجز عن ملاقاتها أشجع الناس؟
وما هي مصاير اللذات في الدنيا؟ أليس كل نعيم إلى زوال؟ أين ذهب ملك الطغاة والمستبدين لعهد الفرس والعرب والرومان؟ وأين ما بقي من المتع الحسية التي رآها قصر فرساي، وهو اليوم بلا فراش ولا أثاث؟ أين لا أين! إن كان في العالم قصيدة إنسانية خالدة فهي التصوف، هو وحده الأنشودة الباقية يوم تبيد الأناشيد، ولو فنيت الدنيا دفعة واحدة وبقي إنسان واحد يفتش عما حق فيها من الكلمات لما وجد أصدق من كلمة الصوفية.
الروحانية والضعف
نشأ التصوف إذن في ظلال الضعف، أي نشأ في ظلال الحق، يوم عرف الإنسان قيمة نفسه، واطمأن إلى أنه مخلوق ضعيف إن تخلت عنه رعاية الله لحظة واحدة هلك وباد.
نشأ التصوف حين شك الإنسان في قيمة الحقائق الإنسانية، يوم رأى كل قوة إلى ضعف، وكل وفاء إلى غدر، وكل حياة إلى موت، وكل شروق إلى غروب.
لا تسألوا متى اهتدى الإنسان إلى قيمته الذاتية، ويكفي أن تتذكروا أن البيئات العربية عرفت كثيرا من الأنبياء الذين آثروا الزهد والفرار من اللذات، وعرفت أن أطيب الناس ذكرا في العالم القديم هو إبراهيم الخليل الذي حطم الأصنام، وأخلد إلى التوحيد.
ويمكن الحكم بأن أقدم الآثار الصوفية هو «سفر أيوب» الذي شرح البلايا الإنسانية، وصور حيرة المرء بين السعادة والشقاء، والهدى والضلال.
وأقرب الآثار الصوفية إلى أذهان الناس هو القرآن، ذلك الكتاب الذي أطال القول في وصف الدنيا وذمها وثلبها وتحقيرها، وقضى بأنها لهو ولعب، وأنها في نضارتها ليست إلا متاع الغرور، القرآن هو أقرب الآثار الصوفية إلى أذهان الناس وإن جهلوا ذلك، هم يعدونه كتاب تشريع، ونراه كتاب تصوف.
إن التشريع في القرآن ليس إلا تنظيما للعلاقات الدنيوية، والعلاقات الدنيوية في نظر القرآن الكريم هي تمهيد للصلات الروحية: صلات الناس بالله الكبير المتعال، وكل مغنم لا يقرب المرء من ربه هو في نظر القرآن ذخر باطل سخيف.
والإنسان في نظر القرآن هو مخلوق مغرور تطغيه النعمة، وتذله الباساء:
وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون * هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين * فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون * إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون .
1
والقرآن يذكر الناس بأن الأمر كله لله؛ فهو الذي يحيي وهو الذي يميت:
نحن خلقناكم فلولا تصدقون * أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون * ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون * أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون * لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون * إنا لمغرمون * بل نحن محرومون * أفرأيتم الماء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون * أفرأيتم النار التي تورون * أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون * نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين * فسبح باسم ربك العظيم * فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم .