تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أنني راض بأن أحمل الهوى

وأخرج منه لا علي ولا ليا

| الجزء الثاني

| كيف نشأ التصوف في الأخلاق

قدم التصوف

التصوف لون من الذوق عرفه العرب قبل الإسلام بأجيال طوال. ومن خطأ الرأي أن يقال إنه كان معدوما فخلقته النزعات الإسلامية، وإليكم البيان:

العرب أمة عريقة في التدين، والتدين في ذاته تصوف؛ لأنه نوع من الضعف، والضعف باب إلى التصوف؛ فإن الإنسان في الأصل حيوان شرس يقاتل ويغالب، ثم تاتي لحظات يصرعه فيها الضعف فيقف ويتأمل: من أين أتى؟ وإلى أين يصير؟ وينتهي به الفكر إلى الاقتناع بأنه مخلوق ضعيف، وعندئذ يكون التدين. والمتدينون فريقان: فريق لا يزال يحس القوة والعافية فيجالد في ميادين الحياة، وفريق ينتهي به الضعف إلى التسليم المطلق فيرضى بالدون من العيش ويتوجه إلى التفكير في ملكوت السماء.

وعند التأمل نرى الروحانيات لا تكثر إلا في الأمم الضعيفة، أما الأمم القوية فتوغل في الماديات، وتحرص على امتلاك ما فوق الأرض من أصول المنافع، ومثل الأمم في ذلك مثل الأفراد، فالرجل في دور العافية والشباب تكون أطماعه في الأغلب مادية، فيبنى المنازل، وينظم المزارع والمتاجر والمصانع، وفي دور الضعف والشيخوخة يقف موقف المتأمل فيما كان وما سيكون. ويتحول إلى قوة روحية يستر بها الضعف الذي رمته به أحداث الزمان.

والمتصوف يتصنع في البداية، ثم يصير صوفيا بالطبع، حين تغلب عليه قوة الفكر والإشراق.

ولنواجه هذه المسألة بعزيمة وصراحة فنقول: إن هناك شخصيتين: الشخصية الحيوانية، والشخصية الإنسانية، أما الشخصية الحيوانية فهي الأصل، والفضائل فيها تقوم على أساس الغلبة والعنف، وهي شخصية لا تزال محفوظة الملامح في كتب الأساطير، والناس يحنون إليها حنينا شديدا، حتى لنراهم في الكتب الروائية يتمنون أن لا ينهزم القوى وإن بغى وخان. وبفضل القوة وجد في القوانين الدولية ما يسمى حق الفتح، وهو رجعة إلى القانون الخلقي في عالم الشخصية الحيوانية.

أما الشخصية الإنسانية فهي شخصية مهذبة، والتهذيب هنا يراد به معناه اللغوي الأول، أي: أن هذه الشخصية قلمت أظافرها، وقطعت أشواكها، وصنع بها ما يصنع بالحيوان المفترس، أو الشجرة الشائكة، فأصبحت مصقولة الجوانب لا يخشى منها بطش ولا عدوان ما دامت محكومة بصوارم القوانين.

وهذه الشخصية الإنسانية لم تخلق إلا بحكم الضعف، وقد استطاع جان جاك روسو أن يتصور دقائق اللحظات التي خلقت فيها هذه الشخصية، وفي زعمه أن الناس تجمعوا وتعاقدوا، واصطلحوا على أن يترك كل فرد منهم جزءا من حريته، ليتكون من مجموع ما يتنازل عنه الناس من حرياتهم قوة تنهض بها حكومة تحمي الضعفاء، وتكف عدوان الأقوياء.

ثم عادت الشخصية الإنسانية فانقسمت إلى شخصيتين: شخصية مادية، وشخصية روحية. فالأولى: هي الشخصية التي لا تتأدب إلا بفضل القانون، أي: بفضل السيف والسوط، وهي شخصية سليمة إن نظرنا إليها من الوجهة الحيوانية، والثانية: هي الشخصية التي تتأدب بفضل الروح، وهي شخصية سليمة إذا نظرنا إليها من الوجهة الإنسانية.

وبهذا نرى أن العافية الخلقية ليست إلا مسألة اعتبارية، فالعنف فضيلة عند قوم، ورذيلة عند آخرين، هو فضيلة عند من يعيشون على المبادئ الحيوانية، وهو رذيلة عند من يعيشون على المبادئ الإنسانية، وكذلك يقال في اللين فهو ضعف في عالم الأقوياء، وهو حلم في دنيا الضعفاء.

ولنسجل هنا أن الضعف نفسه صار سلاحا قويا بفضل المهارة الإنسانية، فالإنسان حين ضعف اعتمد على فكره ولسانه في تقبيح الرذائل الحيوانية، وما زال يبدئ ويعيد حتى أشاع في العالمين أن الظلم ملعون في الأرض ملعون في السماء.

وشواهد الحياة تؤيد رأى الضعفاء من الناس، فهؤلاء الضعفاء هم الذين قالوا بوجود قوة قاهرة مسيطرة هي قوة الله، وهم الذين بسطوا ألسنتهم في الدنيا فرموها بالغدر، وحكموا عليها بالفناء.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٣٢