تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم نظرنا فرأينا الأدب الصوفي كانت له طلائع هي الزهديات، فتكلمنا على زهديات أبي نواس وأبي العتاهية والشريف الرضي بشيء من التفصيل، وانتقلنا فتكلمنا عما في الأدب الصوفي من الذخائر المنسية، وحكمنا بأن الأدب الصوفي هو أدب المعاني، وسقنا شواهد لما جاء في وصف الدنيا من الأخيلة الأدبية.

ثم أقبلنا على صميم الأدب الصوفي فدرسنا حكم ابن عطاء الله السكندري وبينا خصائصها الأدبية والصوفية، وانتقلنا إلى الحديث عن مكانة ابن عربي في الأدب والتصوف، وقد وقفنا عنده وقفة طويلة؛ لأنه من أشهر القائلين بوحدة الوجود.

وقد درسنا هذه النظرية من جميع نواحيها درسا لم تعرفه اللغة العربية قبل اليوم، وكان في النية أن نعرض ما قاله فيها الشعراء والكتاب في غير اللغة العربية، ولكنا خشينا أن يكون في الإسهاب ما يوقع القارئ في أودية الضلال، وإنا لواثقون بأن القارئ سيجد فيما كتبناه ما يغنيه عن الرجوع إلى غيرنا من الباحثين، إلا إن أراد استقصاء ما قيل في هذه النظرية من المردود والمقبول.

وانطلقنا فتحدثنا عن الحلاج، وهو أشهر من استشهدوا في سبيل هذه النظرية، ولم نتحدث عن الحلاج من جميع نواحيه، فقد سبقنا إلى ذلك أستاذنا ماسينيون، وإنما اكتفينا بتصوير مذهبه، وما كان له من أصول في النظريات النصرانية، وعرضنا مصرعه الأليم بأسلوب حزين هو صورة من التوجع لما صار إليه ذلك الفيلسوف الشهيد.

وكتبنا فصلا عن الجيلاني عبد الكريم الذي اهتدى إلى سر النظرية وهو الحكم بأن العاصي والمطيع أمام الحق سواء، وقد بينا ما له وما عليه بطريقة بريئة من التحامل والإسراف. •••

ثم رجعنا إلى صميم الأدب الصوفي مرة ثانية فتكلمنا على المنظومات الصوفية، أمثال منظومات ابن عربي ومنظومات اليافعي وأشعار النابلسي ومنظومات حسن رضوان، وعقدنا فصلا للكلام على المدائح النبوية بينا فيه أسرار الغلو في مدح الرسول، وهو فصل يعد من عيون هذا الكتاب.

ومضينا فتكلمنا على الهيام في حب الله، وخصصنا أشواق ابن الفارض بحديث مستفيض؛ لأنه من أشهر الهائمين، ومن أصدق القائلين: بوحدة الوجود.

ثم رأينا أن نبين كيف نتخذ كتب التصوف أساسا لفهم المجتمعات الإسلامية، واللهجات العربية، فكتبنا في ذلك فصلين نرجو أن يقعا من القارئ موقع القبول.

وختمنا الجزء الأول بفصل بينا فيه أثر التصوف في الفنون، وهو فصل وجيز، ولكن فيه توجيه سينتفع به بعض الناس. •••

أما بعد فهذه خلاصة الجزء الأول وهي تذييل للفصل الذي سبق في عرض أغراض الكتاب، وهي تغني بعض الإغناء عن الفهرس المفصل الذي يبين عناصر الكتاب قطعة قطعة كما صنعنا حين فهرسنا كتاب النثر الفني.

والواقع أن القارئ لن يتعرف إلى مؤلف هذا الكتاب إلا إن مشى معه خطوة خطوة من البداية إلى النهاية، فموضوع هذا الكتاب لا يستوعب في أسبوعين ولا في شهرين، ومن العسير أن تهضم هذه النظريات إلا إن أعد لها القارئ عدة كافية من الفهم والعقل والذوق.

والمؤلف يعترف بأنه قضى سنين في الاستعداد لتأليف هذا الكتاب، وهو لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بمعونة الله، ومعونة الصبر، ومعونة أساتذته في الجامعة المصرية وجامعة باريس، جزاهم الله عنه خير الجزاء.

ولا بد من النص على أن مؤلف هذا الكتاب آثر الرمز والإيماء في كثير من الأحيان؛ لأنه خاض في موضوعات قد تجره إلى متاعب لو فطن إليها الأغبياء.

فليفهم القارئ ذلك، وليعرف أن موضوعات هذا الكتاب بما فيها من تصريح وتلميح لا تصلح لأن تكون مما يمضغه أحلاس الأندية والقهوات من أدعياء العلم والأدب والبيان.

ومعاذ الذوق والعقل أن نتهم أهل هذا العصر بضيق الذهن والجمود، ولكنا نرجوهم أن يتقوا الله فينا، فما كنا باغين ولا عادين ولا آثمين، وقد كفانا ما قاسينا منذ ظهور كتاب (الأخلاق عند الغزالي) إلى اليوم، فما رحمنا حاسد ولا حاقد من تهمة الإثم والبغي والعدوان:

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٣١