وسفيان هذا عظيم وإن جهله أبناء هذا الجيل.
وأمه كانت عظيمة، فقد قالت له: يا بني، اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي.
وكان سفيان شديد الجزع على مصاير الناس، وكان يبول الدم حين يرى ما ينكره على بني آدم؛ حدث سعيد بن صدقة بن المهلهل قال: اليوم الذي كنت أرى فيه سفيان الثوري كنت قرير العين، فأبطأت عنه أياما ثم أتيته فقال لي: يا أبا مهلهل، ما أبطأ بك عنا؟ ثم أخذ يدي فأخرجني إلى الجبانة فاعتزلنا ناحية عن طريق الناس فبكى ثم قال: يا أبا مهلهل، قد كنت قبل اليوم أكره الموت، فقلبي اليوم يتمنى الموت وإن لم ينطق به لساني. فقلت: ولم ذلك؟ فقال: لتغير الناس وفسادهم، ثم قال لي: إن استطعت أن لا تخالط في زمانك هذا أحدا فافعل، وليكن همك مرمة جهازك، واحذر إتيان هؤلاء الأمراء، وارغب إلى الله في حوائجك إليه، وافزع إليه فيما ينوبك، وعليك بالاستغناء عن جميع الناس. وارفع حوائجك إلى من لا تعظم عنده الحوائج، فوالله ما أعلم اليوم بالكوفة أحدا لو فزعت إليه في قرض عشرة دارهم أقرضني ثم كتمها علي، يذهب ويجيء ويقول: جاءني سفيان فاستقرضني فأقرضته!
وهذا الحديث الخالي من الزخرف والبريق هو غاية الغايات في عذوبة البيان فقد فضح بني آدم، عفا الله عنهم، ورماهم بما هم له أهل، فمن ذا الذي تثق به وتعتمد عليه ثم يعفيك من المن والاستطالة والكبرياء.
وأدباء الصوفية هم الذين رحموا تاريخ الأدب العربي من تلك الوصمة وصمة التزلف بالمديح إلى الملوك والرؤساء والأمراء والوزراء، هم الذين استطاعوا أن يكدروا الحياة على المتحكمين والمسيطرين فكان الخلفاء والملوك يحسبون لهم ألف حساب، وكان من الخلفاء من يزهد في الحج حتى لا يتعرض له بعض الواعظين. وسيرى القارئ شواهد ذلك حين نتكلم في الجزء الثاني عن الشجاعة الأدبية.
أدباء الصوفية هم الذين جعلوا السلامة من باب السلطان كالسلامة من باب الطبيب، فكانت عندهم سلامة الأرواح فوق سلامة الأبدان.
أدباء الصوفية هم الذين عطروا الأدب العربي بأريج الكرامة والعزة والصيانة والعفاف، وهم الذين وصلوا المشرق بالمغرب وحفظوا الإسلام بإذاعة المعاني الروحية والذوقية، وهم الذين جعلوا الأدب ترجمان المنطق والعقل، ولم يقفوه على الحس والخيال كما صنع أكثر الأدباء في عصر بني العباس. •••
بدأنا فحدثنا القارئ عما نريد من التصوف، وقلنا: إننا سنقف عند المعنى المصطلح عليه، وإن كنا نجزم بأن التصوف قد يكون في الحب والمودة والولاء والسياسة، وذكرنا لذلك شواهد من الأدب والتاريخ، ثم أشرنا إلى أن الزهد يكون في قلوب الأغنياء، كما يكون في قلوب الفقراء. وتحدثنا عن الشخصية الأدبية والشخصية الخلقية، وبينا كيف يكون التصوف في الأدب وكيف يكون في الأخلاق، ثم تكلمنا على المصادر ومنهج التأليف وأغراض الكتاب.
ومضينا فتحدثنا عن قدم التصوف في الجزيرة العربية، ودلالة الصوف على التواضع والخشونة وصورته في الأخيلة الشعبية، وبينا أن الصوفية نقلوا لبس الصوف عن المسيح والرهبان، وأشرنا إلى أن كلمة (راهب) كانت كلمة محترمة وذكرنا شواهد ذلك، ولو شئنا لأضفنا إلى ما ذكرناه هناك أنها وردت في كتاب الورع،
1
فقد وصف حسين الجعفي بأنه كان يشبه الراهب، وقيل في عبد الله بن المبارك: إنه كان يقوم الليل حين ينام راهب الرهبان،
2
وبينا خطأ الرأي الذي يقول: برجع كلمة التصوف إلى كلمة (سوفيا) اليونانية، وافترضنا أن تكون كلمة (سوفيا) منقولة عن كلمة (صوف) وليس ذلك ببعيد.
ثم أخذنا في الكلام على التصوف في الأدب فذكرنا الفرق بين النظرة الأدبية والنظرة الخلقية، وأشرنا إلى اهتمام المؤلفين بأدب النساك وحرص الصوفية على الثقافة الأدبية، وعرضنا نماذج من اصطلاحات الصوفية وألفاظهم في التعبير عن بعض المعاني المعاشية والاجتماعية، ونصصنا على مذهبهم في إيثار الغموض، وفصلنا القول فيما اتهموا به من التجني على الشعر والشعراء، واهتممنا بتوجيه القارئ إلى فهم أدب الصوفية.