تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مراقد أئمة البقيع قبل أن تهدم ومن بين هذه المراقد مرقد الإمام زين العابدين. «انظر أدعية زين العابدين في الجزء الثاني».

وهذه الأمثال لها نظائر كثيرة في كتب الشعراني، وما نجزم بأنها كلها محلية، فكلمة «العياق» مثلا معروفة في تونس، كما حدثنا المسيو مرسيه، ولكنها في بلدنا حية جدا، ومن أغاني سنتريس:

يا أبو جلبية يا عايق قضنا منك.

وكانت «الجلبية» من ملابس المترفين، وما عداها من الملابس اسمه الثوب وكانت «الجلبية» لا تلبس إلا في الأفراح.

الجو الأدبي عند الكاتب الصوفي يختلف عن الجو الأدبي عند المنشئ الأديب

أما بعد فنحن لا نريد الاستقصاء؛ لأن هذا ليس من أثر التصوف في الأدب، فهي آثار شعبية انطبعت بها كتب الصوفية، وإنما اهتممنا بها؛ لأنها تتصل بأثر التصوف في الأدب بعض الاتصال. فلنقف عند هذا الحد راجين أن يكون في هذه الإشارة توجيه ينفع من يهمه أن يدرس تطور اللهجات في الأقاليم العربية.

يظهر في هذا الرسم جبل قاسيون المطل على الصالحية، وله عند الصوفية منزلة عظمى لكثرة ما فيه من قبور الأولياء والأنبياء (فيما زعموا).

| أثر التصوف في الفنون

أثر الصوفية في إذاعة المعاني الفنية والذوقية والاجتماعية

الفن والأدب يتصل بعضهما ببعض، وقد رأينا كيف أثر التصوف في الأدب، فهل يمكن الحكم بأنه أثر في الفن أيضا؟

لقد بينا في كتاب (الأخلاق عند الغزالي) أن الصوفية حاربوا الفنون، وفصلنا ذلك تفصيلا شافيا، وما نريد أن نجمل هنا ما نفصلناه هناك؛ فكيف يمكن القول: بأنهم ساعدوا على إذاعة الفنون؟

الحق أن الصوفية حاربوا الفنون من الوجهة النظرية، ولكنهم ساعدوا على نشرها من الوجهة الذوقية والعملية. وإليكم البيان:

إن الصوفية حاربوا الغناء ولكن حياتهم كلها قامت على الغناء

1

وسنرى في غير هذا الفصل أن أكثر أقطاب الغناء في مصر نبغوا من البيئات الصوفية ، وربما كان الأمر كذلك في غير مصر من الأقطار الإسلامية، وكيف ننسى الضجة التي قامت منذ سنين ضد جماعة المولوية؟ لقد قيل يومئذ: إنهم جماعة من العاطلين يعيشون بفضل المال الموقوف، ويسيئون إلى الإسلام بما يبتدعونه من طرائق الرقص وهم يذكرون، ولكن قيل في الدفاع عنهم: إنهم يعينون على نشر الثقافة الذوقية بما يبتكرون من أساليب الغناء.

2

وبقليل من الاستقراء ندرك أن من ينهون عن شيء قد يكونون في الأغلب من أقوى الدعاة لذلك الشيء، فالصوفية نهوا عن الغناء، أو ما يدعو إلي الفجور من الغناء، ولكنهم عمليا برعوا في الغناء الفاجر أكثر مما برعوا في الغناء العفيف.

وكيف ننسى أن حياة الصوفية قامت على الذوق، والذوق أساس التفوق في الفنون، فالصوفي الحق هو رجل ذواقة يلتمس المعاني في جميع ما ينظر وما يقرأ، وما يسمع. ومن هنا كان الصوفية أعرف الناس بالشعر الجيد ولا سيما أشعار التشبيب؛ لأن الفجرة من الشعراء عرفوا برقة الحس، ودقة الذوق، وغلب عليهم الفهم للغرائز والطباع، وبراعة الصوفية في التذوق هي التي رفعت من وجوههم الحوائل، وهم يعاقرون المعاني التي اخترعها شعراء الحواس.

وما نريد في هذا الفصل أن نتكلم عما صنع الصوفية في الأدب والغناء، فقد فصلنا ذلك في مواطن كثيرة من هذا الكتاب، وإنما نريد أن نتكلم عما صنعوا من التماثيل.

تماثيل...؟ وهل عرف الصوفية إقامة التماثيل؟ وكيف وهم الذين حاربوا النحت والتصوير؟

جماعة من صوفية الهند يذكرون ويتواجدون.

الحق أن الصوفية عرفوا التمثال واستطاعوا أن يجملوا المدن الإسلامية بألوان مختلفات من التماثيل، وإذا كان يروعك أن ترى المدن الأوربية مزدانة بألوف التماثيل فاعرف أيضا أن الصوفية زينوا المدن الإسلامية بألوف التماثيل.

ولكن كيف؟ هل وضعوا تمثالا للسيد البدوي، أو إبراهيم الدسوقي، أو أبي العباس المرسي؟ إن إقامة التماثيل محرمة تحريما قاطعا. والصوفية أنفسهم حاربوا الأنصاب والأصنام والأوثان ... هذا صحيح، ولكني مع ذلك أجزم بأنهم عرفوا التماثيل.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٢٧