تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عرفوها في الأضرحة والقباب، وهل كانت قباب الأضرحة إلا نوعا من التمجيد يؤدي ما تؤديه التماثيل؟

إن القباب العالية التي تقام للأولياء والصالحين هي شارات التبجيل والتعظيم التي تقام لمن يجب تخليد ذكراهم من المسلمين. ولك أن تزور القرى والدساكر والحواضر لترى كيف افتن الصوفية في تخليد ذكريات الأولياء.

إن الأوربيين يخلدون عظماءهم وقديسيهم بإقامة التماثيل، ونحن نخلد عظماءنا وأولياءنا بإقامة القباب، وإذا كانت التماثيل الأوربية مما يحج إليه الزائرون ليروا عظمة الفنون فالأضرحة والقباب في المواطن الإسلامية مما يحج إليه الزائرون؛ ليروا عظمة الفنون.

3

قد تقول: وهل معنى ذلك أن الصوفية كانوا من المهندسين والبنائين؟

وأجيب بأن تلك الروائع الفنية كانت من وحيهم بلا جدال؛ ولهذا نراهم ينوهون بالمزارات ويحجون إليها داعين مبتهلين، وهم أنفسهم الذين أذاعوا هذه البدعة في الأمم الإسلامية حتى وصل صداها إلى قبر الرسول، فهو

صلى الله عليه وسلم

يعيش برفاته في ظل بدعة أقامها المتصوفون.

وللقارئ أن يتمثل ملايين الدنانير التي أنفقت في إقامة القباب، وله أن يتمثل ألوف الفنانين الذين أولعوا بتزيين القباب، وله أن يتمثل كيف صنع ذلك كله في رقي المعاني الذوقية، والأوضاع الهندسية، وله أن يتمثل كيف كانت تقوم الأمم بتشييد الأضرحة وتزيين القباب؛ ليعرف أن الصوفية كان لهم تأثير بليغ في نهوض الفنون.

4

ولكن لا بد من الإشارة إلى الفرق بين الضريح والتمثال:

إن التمثال للفكرة فقط، وتنصرف عنه العيون بعد أن تراه، أما الضريح فيراد للفكرة ويراد للتهذيب والتثقيف، ألست ترى كيف كانت الأضرحة معاهد علمية يحج إليها طالبوا العلم في الصباح والمساء؟ ألست ترى كيف صار من المألوف أن تتبع الأضرحة بالزوايا والمساجد؟ إن هذا يشعرك بأن الضريح لم يكن كتلة فنية صماء، وإنما كان مرجعا لطائفة من المعاني الروحية والذوقية والاجتماعية.

فهمنا المعاني الروحية والذوقية، فما هي المعاني الاجتماعية؟

قبة معروف الكرخي في بغداد وكانت له مكانة في التصوف.

إننا نرى كل ضريح يتبع غالبا بما يسمى «الحضرة» وهي حفلة أسبوعية تقام للذكر والغناء وقراءة الأوراد، وهذا ينفع من الوجهة الذوقية والروحية، ثم نرى بعض الأضرحة يوجب أن تقام حوله الموالد السنوية، وهذه الموالد لها تأثير شديد من الوجهة الاجتماعية والاقتصادية فهي أولا موسم يتلاقى فيه الناس ويأخذ بعضهم عن بعض، وكانت المصاهرات في الأزمنة القديمة تعتمد على ألوان من التعارف تخلقها الموالد. وهي ثانيا معارض تبرز فيها الفنون والمبتكرات، حتى الشعوذة والتهريج. وهي ثالثا أسواق جامعة تروج فيها التجارات والصناعات وتعمر بها الجيوب. والحكومات تعرف ذلك وهي تشجع على إقامة الموالد لينتفع الناس بعضهم من بعض؛ ولتنتفع هي أيضا من موارد السكك الحديدية.

وأغلب الظن أن التجار في الأقطار الفرنسية والإنجليزية والألمانية يحسدون مصر على «مقام السيد البدوي»، ويودون لو نقلوه بزواره وأتباعه ومريديه ليظفروا بسوق رابحة قليلة النظائر والأمثال.

5

وقد اتفق الناس على أن الموالد يكثر فيها الرجس والدنس والفتون، وهذا يؤيد ما نقول به: فالمفاتن والمفاسد والفواحش لا تنهض إلا حيث تنهض الحياة، والهدى لا يعلن عن الحياة كما يعلن الضلال.

أعرفتم الآن أن الصوفية ساعدوا على نشر الفنون بإقامة التماثيل؟

إن الأضرحة والقباب تجمع الناس على الحق والباطل، وتنشر فيهم معاني الرشد والغواية، وتحملهم على اعتناق مذاهب الصلاح والفساد، والحياة في صميمها مزاج من الخير والشر، والرشد والغي، والهدى والضلال.

أقول هذا وأنا آسف على تضعضع الموالد؛ لأنها كانت تقوم على فكرة دينية فيجيء الخير أصلا ويجيء الشر تبعا، وقد حلت محلها مواسم مدنية يجيء فيها الشر أصلا ويجيء الخير تبعا.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٢٨