تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

67

تقاطع الأهل والجيران

وكان التعاطف والتراحم مما يعسر وجوده بين الأقرباء «فكان الناس يسألهم قريبهم ثوبا أو طعاما أو دراهم فلا يعطونهم شيئا، ويسألهم شخص لا قرابة بينهم وبينه فيعطونه، ولعل العلة في ذلك أن القريب يأخذ ولا يشكر أصلا، أو يشكر ولا يبالغ في الشكر، ويقول: لا جميلة في ذلك لقريبي بخلاف الأجنبي، فإنه إذا أخذ من أحد شيئا يشكر صاحبه في المجالس ويبالغ في الثناء عليه، والنفس من شأنها أن تحب ذلك».

68

ومعنى هذا أن المعروف كان لا يقدم إلا في انتظار ثمنه من الشكران.

وللشعراني في ذلك كلمة محزنة تصور تقاطع الأهل والجيران في عصره، وتبين كيف كان الفلاحون في الريف يقاسون بلايا الشحناء:

أخذ علينا العهد أن نعلم كل من رأيناه في بلاء في هذا الزمان طريق الخلاص منه، لا سيما أهل القرى من الفلاحين لغلبة الجهل عليهم، وأعظم طريق إلى رفع البلاء النازل على الناس في حارة أو قرية أو زاوية مصالحة بعضهم بعضا حتى لا يبقى بينهم شحناء ولا عداوة ... وقد علمت ذلك لبعض أهل القرى وكان بينهم العداوة والقتل والنهب والخروج من الأوطان فاصطلحوا وتعاطفوا فارتفع البلاء من بلدهم، وذلك أن البلاء لا ينزل قط على قوم وهم على قلب رجل واحد ... وقد قال شخص مرة لسيدي علي الخواص: يا سيدي، ما بقي قلب مع قلب في هذا الزمان، فما سبب ذلك؟ فقال الشيخ: سبب ذلك عدم برهم لبعضهم؛ لأن الحسنة هي التي تربط القلوب بعضها مع بعض. قلت: وهذا الأمر قد أيسنا من وقوعه ما بقيت الدنيا، وقد قلت مرة لجماعة من الإخوة الأشقاء: بالله أيكم يعتقد في أخيه أنه إذا مات عن أطفال فقراء أنه ينفق عليهم ويطعمهم ويكسوهم حتى يعينهم الله من فضله أو يموتوا، فقال كل منهم: والله ما منا أحد يظن في أخيه ذلك. فإذا كان هذا بالإخوة فكيف بغيرهم! فما بقي أحد يعطف على أحد. وانظر يا أخي إلى صاحبك وجارك الغني كيف تمكث السنة والسنتين وأكثر لا تنظر منه قط لقمة ولا خرقة ولا حسنة من حسنات الدنيا إلى أن يموت، وإن وقع لك ذلك من جار أو صاحب فهو من غلطات الزمان، وقد صار الأمر روايات وأخبارا كأنه قط لم يكن في الوجود.

69

ومن هذا الكلام نعرف أن الفلاحين كان يبغي بعضهم على بعض بالنهب والقتل، وكان فيهم من يخرج من بلده لينجو من أذى العداوات، ونعرف أن الإخوة والجيران كانوا لا يعرفون التعاطف والتراحم، ولا يقيمون وزنا لأواصر القرابة والجوار.

وهذه الأخلاق لم تنقرض من مصر، وكيف تنقرض وهي رذائل إنسانية عرفها الناس في كل بلد، وفي كل جيل؟ ولعل الناس في عصر الشعراني كانوا أرحم من ناس هذا الزمان، ففي عصر الشعراني كان الرجل القوي يعتمد على الرمح والسيف، أما الرجل القوي في هذا الزمن فيعتمد على أسلحة وضيعة أشرفها الدس والكيد والبهتان.

في عصر الشعراني كان أهل البغي يجدون من يحذرهم عواقب البغي، أما في عصرنا فيعيش الباغون عيش الشرفاء؛ لأن الانتقام صار شريعة مرضية لها قواعد وأصول.

في عصر الشعراني كنت تجد عصبة من أهل الخير تدفع عنك عنف الباغين أما في هذا العصر فيقف كرام الناس على الحياد، ويتركون الظالم ينتاشك، ويفتري عليك، ويذيع من حولك الأراجيف، ولا يتقدم رجل شهم فيقفه عند حده، على نحو ما كان يفعل الرجال، أيام كان في الدنيا رجال.

أعوان الظلمة

والشعراني يتحدث عن الظلمة وأعوان الظلمة في كل كتاب، بل في كل صفحة من كتاب، وهذا يدل على أن مصر في القرن العاشر كانت تشقى بآثام الظالمين، وقد بقي ظل هذه المآثم على ألسنة العوام، فتجد كل أم في الريف تدعو لابنها بهذا الدعاء: «الله يكفيك شر الحاكم الظالم»، فالحاكم الظالم كان الشبح المخيف الذي يستعيذ منه الناس.

والحاكم الظالم انقرض من مصر، وشعر الجمهور بالأمان؛ لأن الرجل في الأعصر الخالية كان لا يأمن في كل لحظة أن ينقض عليه أحد الظلمة، فيسلب ماله أو يسخره أو يضطهده بلا سبب مبين.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٢٣