تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما في هذه الأيام فلا يستطيع أمير ولا وزير أن يعتدي على ملكية أحد، ولو كان من الصعاليك، وفي مقدور كل امرئ أن يغدو إلى شأنه آمنا مطمئنا، ولا يتعرض المرء للشر في هذه الأيام إلا إذا اشترك في الحياة العمومية، فإن فعل فهو عرضة للظلم المصقول الذي ابتدعته المدنية.

وأريد أن أقول: إن الرجل لا يتعرض للشر إلا إذا تسامت نفسه إلى أن يكون من الشخصيات المرموقة في المجتمع؛ فإن قنع بأن يكون فلاحا أو نجارا أو حدادا فهو آمن كل الأمن ولا رقيب عليه ولا حسيب.

كان يستطيع الملوك في الأيام السوالف أن يستصفوا أموال من يغضبون عليهم من الوزراء؛ أما في هذا العهد فلا يستطيع أكبر ملك أن يأخذ قرشا واحدا من أصغر مخلوق إلا بحكم القضاء، والقضاء في هذه الأيام تضرب بعدالته الأمثال.

إن عصرنا لا يعرف الظلم إلا في باب واحد: هو تظالم الجماعات والأحزاب، فمن اشترك في جمعية أو حزب فهو مباح العرض، ينتاشه من شاء كيف شاء، وهذا شر تمكن السلامة منه بتجنب التحزب والإقبال على الأعمال البعيدة من معسكرات الأحزاب؛ أما في عصر الشعراني فكان الشر ينتظر الرجل في كل مكان، ومن أجل هذا نراه يستعيذ من الظالمين وأعوان الظالمين.

بقي أن ننص على خصيصة أصيلة من خصائص المصريين في القرن العاشر، تلك هي الإحساس بقيمة الأخلاق، والحرص على إقامة شعائر الدين، فقد كانت الحواضر والأقاليم تعج عجيجا بمواكب الصوفية، وكان للفقهاء سلطان ملحوظ يتهيبه الأمراء والوزراء، ولو قام في مصر لهذا العهد رجل مثل الشعراني ونهى الناس عما انغمسوا فيه من الرذائل والشهوات لعدوه من المخبولين.

في عصر الشعراني كان الناس جميعا يعرفون الصلاة والزكاة والصيام والحج، وكان المفرط في دينه يكاد يتوارى من الخزي؛ أما في هذا الزمن فالأخلاق كلام في كلام، ولا يجوز لعاقل أن يعامل أحدا إلا بسند مكتوب.

كان الشعراني يقول:

رأيت جماعة يلبسون الصوف، ويأخذون في أيديهم السبحة، وألسنتهم كالعقارب، وأفواههم كأفواه التماسيح، وبطونهم كالسفن، وهم مع ذلك يدعون الطريق.

وهذه الحال توجد في مصر، ولكن بشكل أبشع، والفرق بين الناس في العصرين: أن المرائين في القرن العاشر كانوا يعرفون بحمل السبح ولبس الصوف، أما المراءون في هذا العصر فيتحدثون كثيرا عن «الضمير»، ويطوفون طواف الخشوع حول كلمة «الأخلاق» ويلوذون باسم «الوطنية» في أكثر الظروف.

وإذا كان الشعراني شبه ألسنة معاصريه بالعقارب وأفواههم بأفواه التماسيح وبطونهم بالسفن، فإنا نرى ألسنة معاصرينا أمضى حدا من عقود الشركات، ونرى أفواههم أخطر من أفواه المدافع، ونرى بطونهم أوسع من المحيط. والله المستعان على أهل هذا الزمان.

أما بعد فقد صورنا المجتمع المصري في القرن العاشر كما رأيناه في كتب الشعراني، وانزلق القلم فصور بعض ملامح المجتمع في العصر الحاضر، وكنا نود أن يسلم القلم من هذا الانزلاق، ولكن واجب البحث قضى بالموازنة بين عهدين عانتهما مصر وشقي بهما المصريون.

وقد جهدت في صرف القلم عن هذه الموازنة، فلم أصل في صده إلى ما كنت أريد، ولعل هذه الوخزات تنفع في تذكير من ظنوا أن المقادير سكتت عنهم فلوثوا المجتمع المصري أقبح تلويث.

فإذا كان القارئ يتشوف إلى كلمة فاصلة في ختام هذا البحث، فإني أذكر أن المصريين في القرن العاشر كانوا يشجعون من يبصرهم بعواقب ما يصنعون. أما المصريون في هذا العصر فلا يسرهم أبدا أن يذكرهم باحث بواجب الرجال في رعاية العدل.

ألا ترونني أمشي على الشوك وأنا أسطر هذه الكلمات؟

غفرانكم يا أهل «الضمائر» في العصر الحديث!

| حياة اللهجات العربية في مؤلفات الصوفية

ترددت طويلا في كتابة هذا الفصل. ثم شجعني عليه أنه لا يخلو من فائدة أدبية متصلة بالتصوف، وفي إنشائه توجيه لمن يهمهم أن يدرسوا تطور اللهجات في مختلف الأقطار العربية.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٢٤