تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

61

وهو يريد الكسب الحلال ولم ينص على حل الاستعمال؛ لأن ذلك معروف.

تحاسد العلماء

وكان علماء مصر في القرن العاشر يتحاسدون ويتباغضون، وكان الرجل منهم يكره أن يعرف تلميذه رجلا غيره، وكان كل عالم يوهم تلاميذه أنه هو وحده العالم وأن من سواه جهلاء. وقد فشا هذا العيب في أهل ذلك العصر بدليل ما نرى في كتب الشعراني من حربه، فقد ندد به أكثر من عشرين مرة، وروى لنا كثيرا من الطرائف نكتفي منها بشاهدين اثنين:

معت شخصا ضعيفا مثلي يقول: والله العظيم لا أعلم الآن في مصر كلها أعلم مني، ولو أنني علمت لمشيت إليه واستفدت منه؛ ومثل هذا مجنون، وأقل جزائه أنه حرم بركة علماء زمانه، ومات بجهله. ورأيت شخصا يدعي القطبية يقول: أطلعني الله على دائرة الأولياء كلهم فلم أر فلانا - وأشار إلى شخص من صالحي عصره - فقال له شخص في المجلس: إن كنت صادقا فقل لي: كم في لحيتك من شعرة؟ فما دري ما يقول وخجل بين الناس.

62

وكانت «المعارضة» في القرن العاشر تتمثل في اغتياب الحكام والوزراء في المنازل وفوق المصاطب، فقد حدثنا الشعراني أن من الناس من يكون الخير في أن لا يجدونا في المنازل عند الزيارة، وهم الذين يأتون «للغو والهذيانات وذكر أخبار الدولة وحكاية أخبار الناس».

63

وكان الشعراني يكره اغتياب الحكام ولا يحب أن يتصل بأعداء الدولة، وله في ذلك سياسة بسطناها عند الكلام عما وضع من الآداب لمعاملة الحكام.

ظلم الولاة للفلاح

وكان من أصحاب الجاه في القرن العاشر من يقضي مصالح الناس طمعا في هداياهم «وذلك حرام بنص الشريعة وبيع للدين بالدنيا، وذلك أن الشفاعة عليك واجبة إن تعينت عليك، وفعل الواجب لا يجوز أخذ العوض الدنيوي عليه».

64

وهذا عيب قديم عرفه أهل المشرقين، وهو لا يزال حيا في مصر، وفي القاهرة فيما يقال جماعات لتنظيم هذه «الشئون»، وكانت لها فضائح عرفتها المحاكم، وسمعت فيها شهادة أحد الوزراء. وأثمان الشفاعات والوساطات تضج بأخبارها الأندية، ولو جاز لكاتب أن يدون ما يسمع وما يعرف من أخبار الأسواق التي تباع فيها الوظائف لانكشفت من الحياة الرسمية جوانب تزكم الأنوف.

وقد فزع بعض الأطهار من شيوع هذا الرجس فوضعوا قواعد للتعيينات والترقيات، وقد كتبت هذه القواعد فيما علمت بماء الزعفران على جلد الغزال، بحيث لا تلحس ولا تمزق! فلا تصدقوا من يقول: إنها قواعد صورية لم توضع إلا لتزيد تعقيد الأمور في أوجه من لا عم لهم في الحكومة ولا خال.

شيوع الظلم والفسق

والشعراني كثير السخط على أهل زمانه، ولو صدقناه لجزمنا بأن مصر في القرن العاشر كانت مباءة لجنود إبليس، لعنة الله عليه وعليهم! وهو ينص بالذات على خيانة الجار للجار، ويراها من أكبر الموبقات. وفي كلام الشعراني أن الزنا كان رذيلة شائعة لم يسلم منها أحد من الناس «حتى وقع أن جماعة من الأكابر اجتمعوا في مجلس فقال شخص منهم: من سلم منكم من الزنا فليحلف لنا بالله تعالى أنه ما زنى، فما تجرأ أحد منهم على الحلف، واعترفوا جميعا بأنهم وقعوا في ذلك في شبابهم».

65

و«الأكابر» في كلام الشعراني هم الصوفية، لا الوزراء، وهل يسأل الوزراء هذا السؤال؟!

وشيوع الفسق لا يقع في أمة إلا في أزمنة الانحطاط؛ لأن الناس لا يفسقون إلا حين يحرمون من الشواغل الجدية، أي: حين لا يجدون من أعمال الشرف ما يلهيهم عن أعمال الدنس.

وقد ظل الشعراني حافظا للعنجهية الريفية، وهي عنجهية تقوم على الترفع والإباء، وهو من أجل ذلك يسيء الظن بأبناء الحواضر ويرى صحبتهم بابا إلى الفسوق، ويقول في ذلك:

وقد فسد جماعة من كثرة أكل الشهوات وخلطة من لا يصلح من أولاد مصر.

66

و«أولاد مصر» هم شبان القاهرة، وقد سمعت أنهم صلحوا في هذه الأيام!

ولم يكن الفسق كل ما يشكو الشعراني من عصره، بل كان يعتقد أن زمانه قل فيه الحلال «حتى إنه لا يكاد يوجد منه شيء في يد شيخ من شيوخ الفقراء فضلا عن آحاد الناس».

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٢٢