وأما أطعمة العرس الواسعة، فإن الغالب على صاحبه التكلف فيه فيطبخ ما ليس من عادته أن يطبخه مما هو فوق طاقته فترى أبا العريس وأم العروسة أو أم العريس يبيع أحدهم ثيابه في عمل الطعام أو يقترض غالب ذلك ولو بالربا، ويقول: قد تجونت في عمل هذا العرس وما بقي إلا عمله، فيعمل ذلك الطعام، متكرها له، متفاخرا به، حتى إنه بعد ذلك ربما سمع بعض الناس يقول: كان طعام فلان أكثر من طعام فلان فيتأثر لذلك. وأما طعام العزاء والجمع وتمام الشهر
59
فربما دخله المفاخرة كذلك، وربما عملوا ما عملوا من الفطير والعجمية والسنبوسك والحلو والأرز متكلفين له خوفا من عتب الناس الذين يعزون ويطلعون له التربة، وربما كان ذلك من مال الأيتام أو بعضهم، وليس لوليهم فعل مثل ذلك شرعا: فالعاقل من فتش على كل لقمة دخلت بطنه قبل أن يضعها في فمه، وكذلك لا ينبغي لمتورع أن يشرب من الماء الذي يسلبونه عند الدفن إن كان أهل الميت يقيمون ذلك من التركة، اللهم إلا أن يكونوا بالغين رشداء.
والظاهر أن الطمع في طعام العزاء كان رذيلة فاشية، بدليل قول الشعراني «وقد حمى الله تبارك وتعالى بعض إخواننا من الأكل من طعام العزاء فالله يديم عليهم ذلك».
ولا يمكن أن يكون التورع عن طعام العزاء فضيلة إلا إن كان الطمع فيه قد عم وشاع.
وهذه العادات لا تزال حية في أكثر البيئات المصرية، فقد يعيش بعض أهالي البلاد مدينين أثقل الدين؛ لأنهم يقيمون الولائم الكبيرة في حفلات الطهور والزواج، ويدعون إليها أكثر أهالي البلد ومن يعرفون من البلاد المجاورة، ثم تكون مطاعم كثيرة تنهب ما تنهب من المال المدخر والمقترض، وتكون أحيانا من أسباب الخراب.
والظاهر أن التهالك على أطعمة العزاء هو الذي أنطق الفلاحين بهذا المثل الظريف:
موت وخراب ديار.
وكلام الشعراني في هذا الموضوع خليق بالدرس، فأكثر المآتم تؤخذ نفقاتها من أموال الأيتام، وتكاد المآتم في مصر تضاف إلى الأعراس من حيث الإسراف في النفقات، وأكثر أهل مصر لا يعقلون.
أزياء الصوفية
ونفهم من كلام الشعراني أن صناعة النسج كانت وصلت إلى أبعد الحدود في القرن العاشر، فقد كان نساء مصر يعرفن من الثياب ما يسمى بالرقيق، ويقول الشعراني عن النهي عن تلك الثياب:
أخذ علينا العهد من رسول الله أن لا نكسو عيالنا من الثياب التي تصف البشرة، ولا نقرها أن تشتري لنفسها ذلك، مبالغة في سترها عن عيون الأجانب الذين يدخلون الدار من الرجال الأجانب والنساء. فربما نظرت الأجانب إلى فرج المرأة من تحت الثياب الرقيقة كما تنظره من تحت الزجاج الصافي.
60
وكلمة «عيال» في كلام الشعراني ترد غالبا بمعنى الفتيات والنساء، وربما أريد بها المفرد وهي جمع. ومن الواضح أن الشعراني لا يتكلم عن جميع الطبقات، وإنما يشير إلى ما كان يقع في بيوت المترفين.
لبس الحرير والتحلي بالذهب
ويظهر من كلام الشعراني أيضا أن الحكام كان يؤخذ عليهم لبس الحرير والجلوس عليه والتحلي بالذهب، وهو يحدثنا أن علماء عصره كانوا يسكتون عن لبس الظلمة الحرير، أو ينكرون عليهم مع طمعهم فيما بأيديهم وقبولهم هداياهم وترددهم إليهم من أجل ذلك.
60
ونفهم من كلامه أيضا أن بعض الصالحين كان ينكر عليهم، ولكن كانت تعوزه السياسة فكانوا لا يصغون إلى إنكاره، بل يزدرونه ويضحكون عليه.
ومعنى هذا أن لبس الحرير والجلوس عليه والتحلي بالذهب كان من المشكلات الاجتماعية، وكانت توضع للنهي عنه قواعد وآداب، ومن أجل هذا كان الصوفية من جانبهم يبالغون في التخشن، ويؤثرون لبس الصوف والمرقع من الثياب، فكانت ملابس الرجل هي الدليل على ما يصطنع من الأخلاق.
وهذا لا ينافي ما قرره الشعراني من وجوب مداواة النفوس في بعض الأوقات بأكل المطاعم اللذيذة، ولبس الثياب النفيسة؛ لأنه اشترط أن يكون ذلك من وجه حلال بعيدا عن الحرام والشبهات،