تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

56

وقد عرض لهذه المسألة في البحر المورود بكلام أصرح فقال:

أخذ علينا العهد ما دمنا فقراء من المال أن لا نعمل قط مولدا حافلا ولا طهورا ولا سبوعا ولا وليمة واسعة ولا عزومة كبيرة ولا غير ذلك، حفظا لديننا ورحمة بإخواننا من التجار الذين لا يهون على أحدهم كسرة ليتيم، فإنهم إذا رأونا في مهم ربما تجونوا في مساعدتنا رياء وسمعة أو غصبا في عمل الطعام أو في النقوط للمداحين ونحو ذلك، وأكثر إخوان الفقير في هذا الزمان على علالة في صحبته لأمور يطول شرحها من جانبه ومن جانبهم، وربما يقولون: بلغنا أن سيدي الشيخ ناوي يعمل مولدا أو طهورا أو عرسا لولده، وما نعرف والله نساعده بإيش، وإيش قام على الفقير يعمل له مولدا أو غيره ويكلف الناس. فإذا قال بعضهم: أنا ناوي لا أساعده ولا أحضره، يقول له بعضهم: فضيحة من الشيخ، ويبقى الشيخ يعتبك وجماعته، فيحتاج أن يحضر بغير نية صافية خوفا من العتب وإظهارا للنخوة كالمكره، ثم إذا نقط مثلا لا تسمح نفسه قط بأن يعطي النقود للمداح خفية بحيث لا يدري الشيخ ولا جماعته ولا أحد، وربما يحوش للمداح أيضا العتامنة المقطعة والقشاقش تكثيرا للفعل، ومصداق ذلك أنه لا يسمح بإعطائها جملة واحدة سرا كأنها عثماني واحد أبدا، ثم ليحذر الشيخ أن يمكن جماعة من أن يدعوا أحدا من الأكابر للحضور كالدفتر دار وقاضي العسكر وأمراء السناجق وأضرابهم فإن ذلك من سوء الأدب، ومن أين لأمثالنا من الضعفاء أن يستحق مشي الأكابر إلى داره لأجل لقمة عملت من أوساخ الناس يأنف من أكلها خدامهم فضلا عنهم.

57

وفي هذه الكلمات صور كثيرة من المجتمع لذلك العهد، وحكاية النقوط لا تزال حية في مصر إلى اليوم، وتنقيط المداحين معروف، وهو يقع عند «قص شعر المطاهر» وعند «استحمام العريس»، وهو يستحم في الطشت علنا بين الأهل والأصدقاء، ويقف المداح أو المزين ويقول: «شوبش يا حبايب» فيعطيه كل امرئ ما تجود به نفسه باسمه واسم أبيه وأبنائه وإخوته ويصيح المزين عند كل اسم بعبارات شعرية يعرفها أهل الريف، وكانت النقوط تدفع أيضا ليلة «جلوة العروس»، ثم ماتت هذه العادة وبقي النقوط يدفع للعروسة في الصباحية، وهي تقاليد تنم عن ذوق ولطف: لأنها من التهادي المقبول، ولكن يقع كثيرا أن تتغير بسببها النفوس؛ لأنها ديون عرفية يعسر قضاؤها في بعض الأحيان.

والمهم هو الكلام عن الموالد فقد حاربها الشعراني في مناسبات كثيرة؛ لأنها كانت تشبه الضرائب السنوية فكان كل رجل من أتباع «الشيخ» يقدم ما يستطيع من الأطعمة أو الذبائح، وكان المشايخ ينتظرون ذلك ويغضبون ويعتبون حين (تنقطع العادة)، وكان التفاضل بين المشايخ قائما على نسبة نجاحهم في جمع الهدايا؛ لإقامة الموالد التي تجمع ذخائرها من أوساخ الناس، كما قال الشعراني.

وقد عاش هذا التقليد في مصر إلى عهد قريب، وما أحسبه مات، فلشيخ الطريقة في ذمة كل مريد جدي أو خروف يقدمه عند المولد، وتجمع الجديان والخرفان ثم تساق إلى ساحة المولد فتذبح هناك، ويدعو شيخ الطريقة من شاء من الخواص، ويقبل عليه من شاء من العوام، وتكون مأكلة عظيمة يتحدث بأخبارها أصحاب البطون!

وللقارئ أن يضيف هذا إلى المظالم التي كان يعانيها الفلاحون في دفع الخراج ليرى كيف كانوا يقعون في بليتين: غطرسة الحكومة ودهاء المتصوفين.

وكان المصريون في القرن العاشر ممتحنين بالمآتم والأعراس، نعرف ذلك من قول الشعراني:

ومما من الله تبارك وتعالى به علي حمايتي من الأكل من طعام النذور والأعراس الواسعة وطعام العزاء والجمع وتمام الشهر فلا أستحضر أنني أكلت شيئا من ذلك إلا مرة واحدة ثم تقيأته.

58

والمفهوم من هذا أن الشعراني يحارب عادات شاعت في عصره، وكان يقع فيها الصوفية والعلماء، وقد فصل ذلك فقال:

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٢٠