تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان أهل الريف ينقسمون إلى طبقتين: عرب وفلاحين، فالعرب هم أحفاد المسلمين الذين وفدوا مع عمرو بن العاص، والفلاحون هم الأقباط الذين أسلموا، وكان بين هاتين الطبقتين عداوات وأحقاد، وكان العرب لا يصاهرون الفلاحين إلا متفضلين.

وكان مشايخ العرب في القرن العاشر يملكون من السيطرة ما يملك الحكام فقد حدثنا الشعراني أن الله حماه من الأكل من ضحايا الولاة ومشايخ العرب التي يرسلونها إلى الزوايا؛ لأنه علم «أن الكشاف ومشايخ العرب يأخذون هذه الضحايا التي يفرقونها من أهل البلد غصبا».

52

وكان ظلم الولاة للفلاح أقبح من ظلم مشايخ العرب، فقد دعا الشعراني إلى الزهد في ولاية أمور الناس؛ لأن الوالي يقع في أمور كثيرة، منها: «إلزامه بتخليص الخراج للمستحقين من الفقهاء وأرباب الشعائر مع ضيق حال الفلاح وخراب بلده وإلزامه بخراج العاطل والبور لجهة أقوى منه حتى لا يتركوا له أردب قمح لأولاده الصغار. فإن سلك هذا الناظر الفقيه أو الفقير مسلك الولاة والأمناء والملتزمين وباع قوت الفلاح وبقرته التي يأكل لبنها خرج عن سياج علمه وفقره إلى سياج الظلمة، وإن لم يسلك ذلك قام عليه المستحقون وقالوا له: أنت لا تصلح لهذه الوظيفة، فيصير هو وإياهم في نزاع وخصام ويقولون له: أنت مفرط في تخليص الخراج فليزمك كل شيء فضل عند الفلاح».

53

وهذا الكلام صريح في أن الفلاح كان يقاسي مصاعب كثيرة في دفع الخراج، وكانت الأرض لا تعاين، بل يدفع خراجها ولو كانت بائرة، فلا يبقى عنده شيء، حتى البقرة والقوت.

أيمان الطلاق

وكان الحلف بالطلاق يكثر في القرن العاشر، نعرف ذلك من قول الشعراني فيمن ينقل أخبار السوء: «فإذا قيل له: سمعت ذلك من أي شخص؟ فيقول: من واحد لا ينبغي ذكره، أو من واحد حلفني بالطلاق أني لا أذكره»، ومن قوله: «كان لي صاحب من طلبة العلم ضرير أطالع معه العلم ويفيدني الفوائد الحسنة، فتخاصم مع بعض الطلبة فقال له: أنت لا تجيء إلى فلان إلا بقصد الغداء والعشاء، فحملت ذلك الصاحب المروءة فحلف بالطلاق من زوجته ما عاد يأكل عندي في تلك السنة».

54

ونذكر من باب الفكاهة أن القرية التي نشأ فيها الشعراني - وهي ساقية أبو شعرة - لا يزال أهلها معروفين بالإكثار من أيمان الطلاق، وقد تقف حمارة أحدهم عن عبور الماء، فيحلف عليها بالطلاق أن تمر، وقد لا تفهم المسكينة خطر اليمين فيضربها حتى تسقط في الماء.

وأهل بدلنا يعيرونهم بذلك ويروون عنهم نوادر تضحك المحزون.

إقامة الموالد والمآتم والأعراس

وفي كلام الشعراني شواهد صريحة على أن إقامة الموالد كانت مما ابتلي به المصريون في القرن العاشر، وإنما عددناها من البلاء؛ لأنها كانت وصلت إلى التبذل والإسفاف، وبيان ذلك أن الصوفية كانوا يقيمون الموالد وينفقون عليها الأموال ليطعموا الفقراء والمساكين، ولكن أولئك الصوفية لم تكن لهم مكاسب، فكانوا يجمعون الأموال للموالد بسيف الحياء، وما زالوا يلحون حتى ضج الأغنياء ، وقد تحدث الشعراني عن هذه البلايا الأخلاقية فقال:

ومما من الله تبارك وتعالى به علي عدم أكلي طعام من يأكل بدينه من فقراء هذا الزمان، ويجرح الناس ويسلقهم إذا لم يبروه بألسنة حداد، ولا سيما إذا عمل مولدا كبيرا فإنه لا يكاد يحلل فيه ولا يحرم، أي: لا يحلل الحلال ويكتفي به، ولا يحرم الحرام ويجتنبه؛ فالورع ترك الأكل من طعام هؤلاء؛ لأنه لولا اعتقاد الناس فيهم الصلاح لم يعطوهم شيئا؛ ومعلوم أن من يأكل الدنيا بدينه أقبح ممن يأكلها بدنياه.

55

وحدثنا أن شخصا من الأمراء سأل الخواص أن يعمل له مولدا فأبى، وقال: «والله إن كسبي من هذا الخوص لا يعجبني، فكيف آكل من كسب الأمراء وأدعو الناس إلى الأكل منه».

قال الشعراني: وقد أخبرني شخص من جماعة الباشا علي الوزير فقال: قد سئمت نفوسنا من كثرة سؤال هؤلاء المشايخ الذين يعملون لهم موالد، فلم يتركوا عندنا عسلا ولا أرزا ولا عدسا ولا بسلة، وإيش قام على هؤلاء أن يشحذوا ويعملوا لهم موالد.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١١٩