تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وينبغي للشيخ إذا وقع على يديه قسمة دنيا بين الفقراء أن لا يخص أحدا منهم بشيء زائد على غيره إلا أن تكون حاجته ظاهرة للفقراء كلهم بحيث يحنون عليه ويرقون لحالته ... وليحذر أن يأخذ لنفسه أو ولده نصيبا مع الفقراء فيكون كأحدهم في دناءة المروءة والأخلاق وتذهب رياسته عليهم، بل يفرق كل ما وقع على يديه على الفقراء والمساكين وأولادهم وعيالهم، ولا يلحس منه لحسة، ولا يأخذ منه فلسا، ولا يدخله في بيته أبدا، بل يضعه في الزاوية حتى يفرقه النقيب.

44

منظر زاوية يعيش فيها طلبة العلم ويأوي إليها الصوفية.

ونظام الزوايا لا يزال حيا في بلاد المغرب، وكان سكان الزوايا ممن تتحدث عنهم البرقيات في الحرب الطرابلسية والمراكشية، والسنوسيون الذين أضجروا المستعمرين حينا من الزمن كانوا من سكان الزوايا، ولكن هذا النظام انقرض من مصر ولم يبق له في المجتمع أثر محسوس.

45

ويظهر من كلام الشعراني في مواطن مختلفة أن الزوايا كان لها عصبية طائفية، وكان المريد الذي ينتقل من صحبة شيخ إلى شيخ يتهم بأنه أراد الدنيا ولم يرد الدين، ومعنى ذلك أن الزوايا كانت تختلف في ليونة العيش باختلاف أقدار الأشياخ، فبعض الزوايا يهدى لأهلها الخبز القفار. وبعض الزوايا تحمل إلى أهلها أطايب اللحوم وأسفاط العنب والتين!

وما نقول هذا ساخرين، فقد افتخر الشعراني بزاويته فذكر أن الفقراء كانوا يجدون فيها ما يحتاجون إليه من طعام ولباس، وأن الحق جل وعلا كان يرسل إليه كل سنة من عسل النحل نحو عشرة قناطير، ومن عسل القصب نحو خمسة عشر قنطارا، ومن القمح ثلاث مئة أردب، وكان يرسل إليه كل سنة نحو ألفي بطيخة من البطيخ الهندي يأكلون منها طول السنة حتى يطلع البطيخ الجديد،

46

وقد صرح في البحر المورود

47

أنه ينبغي للشيخ أن يخرج من الزاوية كل من غير وبدل عهود الفقراء التي دخل الزاوية على نيتها، كما إذا دخل في العهد مع الشيخ على أن يرضى باللقمة والخلقة ثم طلب زيادة على ذلك. ثم قال: «وجلوس مثل هذا في الزاوية ضرر بلا نفع. ومن شرط رهبان الكنائس فضلا عن المسلمين أن كل راهب أحب الدنيا أخرجوه من كنيستهم، وقد صارت الزوايا الآن مصيدة للدنيا لا غير».

48

وبعض ما سلف قاطع في الدلالة على ما كان للزوايا من القيمة المعاشية والاجتماعية.

49

طبقة الفلاحين

بقيت طبقة الفلاحين، وهي طبقة كانت محتقرة في القرن العاشر، بدليل أن الشعراني يرى الفلاح كالزبال، وبدليل أنه جعل من نعم الله مهاجرته من بلاد الريف إلى مصر ونقله «من أرض الجفاء والجهل إلى بلد اللطف والعلم».

50

وهذه النزعة لا تزال حية إلى اليوم. ولا يزال الفلاحون يرون أنفسهم منحطين، وفيهم من يرى البواب في القاهرة أرفع مقاما من الفلاح في الريف، ومن أغانيهم:

ليلتك سعيدة وسعيدة يا رايح مصر.

ومن أمثالهم: «الذوق لم يخرج من باب الحديد»، أي: أنه مقصور على القاهريين، كأن أهل القاهرة عندهم ذوق!

وذكر الشعراني أن أحد علماء الأزهر تزوج من مصرية، أي: قاهرية، وقدمت أمه من الريف لزيارته، فتنكر لها لئلا تعرف زوجته أن أمه فلاحة، وهددها بالضرب إن علم أحد أنها أمه وأنه ابنها الغالي!

ومن الشعراني نعرف أن الفلاحين كانوا مستضعفين، كان يتحكم فيهم الولاة ومشايخ العرب، أما الولاة فهم الحكام، وأما مشايخ العرب فهم جماعة من الأعيان كان لهم في مصر مقام مهيب، و«شيخ العرب» لقب فخم يذكره الشعراني في مواطن كثيرة بالتعظيم والتبجيل، كأن يقول: «أخذ علينا العهد إذا حصل لنا جاه عند حاكم من محتسب أو قاض أو شيخ عرب أن لا نغفل عن نصحه ولا عن قضاء حوائج الناس عنده».

51

وقد ظل هذا اللقب حيا إلى عهد قريب، وبفضله ضاعت أملاك آبائي وأجدادي، فقد كان منهم من إذا قيل له: «يا شيخ العرب» ثارت نخوته وأعطى باليمين وبالشمال. وعلى الله العوض!

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١١٨