تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذلك سمعت أن الأمر صار إلى هذا الحال في هذه الأيام، والعهدة على راوي الحديث!

ولأمر ما تخلفنا وتقدم الناس.

طبقة الصوفية وطبقة الفقهاء

والطبقة المعروفة بالترف وسوء الأدب في القرن العاشر كانت طبقة التجار، فقد حدثنا الشعراني أنهم كانوا يحضرون المساجد قبل الصلوات في مثل الجامع الأزهر وغيره فيجلسون محدثين في لغو وغفلة، بل وغيبة

33

وحدثنا مرة ثانية أن التجار استرقتهم شهوات النساء فلا يقدر أحدهم على مخالفة زوجته أبدا،

34

ودعانا إلى الإكثار من التواضع في الحج بلبس الثياب اللائقة بالخدمة لا كما يفعل التجار،

35

ونهانا عن الإكثار من شراء الشاشات والأزر والحبر كما يفعل التجار،

36

وأوصانا أن نكثر من الصلاة في مسجد مكة والمدينة راجيا أن نخل بهذا العهد كما يخل به كثير من التجار الذين يبيعون في الموسم القماش فلا يتهنأ أحدهم بطواف، بل ولا بصلاة جماعة فيصير في النهار غافلا وبالليل نائما.

37

ويظهر أن التجار في ذلك العهد كان إليهم زمام المنافع الدنيوية: فكانوا من المياسير، وكانوا يسيطرون على الناس. والشاب المدلل في أقاصيص ألف ليلة وليلة يسمى في أكثر الأحوال «ابن التاجر» ومن هنا صح للشعراني أن يحكم بأن التجار ما كانوا يملكون أزمة نسائهم: لأن المرأة التي تنشأ في بحبوحة النعيم تبغي وتستطيل، فلا يصدها أدب ولا يحدها استحياء، إلا من عصم الله من أهل الأحساب.

طبقة التجار

ومن الشعراني نعرف طبقات المصريين في القرن العاشر: فطبقة التجار كانت تسيطر على الثروة، وطبقة الحكام كانت معروفة بالاستبداد، بدليل أنه نهى عن مقاومتهم مرات كثيرة،

38

وطبقة الموظفين كانت تقتتل على الوظائف، وطبقة الفقهاء كان لها سلطان، وكان الشعراني يتهيبها ويضع الآداب المختلفة لمن يتصل بها في الفتاوى والدروس.

نظام الزوايا

وهناك طبقة مهمة وهي طبقة سكان الزوايا، والزاوية كان لها شأن عظيم في القرن العاشر، وكان لها وجود اجتماعي، بدليل قول الشعراني: «وأعظم طريق إلى دفع البلاء النازل على الناس في حارة أو قرية أو زاوية مصالحة بعضهم بعضا حتى لا يبقى بينهم شحناء»

39

فقد جعل الزاوية مجتمعا يقرن إلى الحارة وإلى القرية، وكانت مشيخة الزاوية من المناصب التي تتطلع إليها العيون، فقد اتفق للشعراني مرة أن يقول: «إذا رفعك الله فصرت عالما أو شيخ زاوية»، وقد رجعنا إلى خطط علي مبارك باشا فرأينا زوايا القاهرة تعد بالعشرات، مع أنه لم يتحدث عنها إلا بعد أن اندثرت معالمها الاجتماعية، ولم تعد إلا مساجد لا يعرفها الناس إلا في أوقات الصلوات.

كانت الزاوية مأوى لطوائف من المريدين يقيمون فيها ليلهم ونهارهم، وكان لها لواحق من المطابخ والأفران والطواحين، بدليل قول الشعراني: «أراد الفقراء المقيمون عندنا في الزاوية أن يعلموا القصع الخشب الكبار التي اشتريتها لسماط الفقراء، فقالوا: أي شيء نكتبه عليهم؟ فقلت لهم: أكتبوا: كبر القصع، من قلة الورع».

40

وكانت أيضا ملجأ لأصحاب العاهات من الزمنى والعميان،

41

وهي فيما أعتقد صورة من صور الديارات والمعابد عند النصارى واليهود، والفرق بين الزاوية والدير أن الزاوية قد يقيم فيها الرجل مع زوجته وأولاده، وأن الدير لا يقيم فيه غير الرهبان المحرم عليهم الزواج.

42

ولكن من أين كان يستطيع مثل الشعراني أن يطعم جميع من كانوا يقيمون عنده من الفقراء، وقد حدثنا مرة أن زكاة الفطر لم تجب عليه؟ إن تعليل ذلك سهل: فقد كان لأكثر الزوايا أوقاف،

43

وكان سكان الزوايا ممن تقدم إليهم الهدايا والصدقات على نحو ما يصير في النجف إلى اليوم، وكان المحسنون يعهدون إلى شيخ الزاوية توزيع ما تجود به نفوسهم على المريدين، وذلك عمل كان يتولاه عن الشيخ شخص يلقب بالنقيب. نفهم هذا من قول الشعراني:

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١١٧