تكالب المصريين على الوظائف
ويفهم صراحة من كلام الشعراني أن المصريين كانوا يتكالبون على الوظائف في القرن العاشر، فقد نهى عن التطلع إلى الوظائف الشاغرة إلا لضرورة،
26
وحدثنا أن الناس كان يدس بعضهم لبعض ليأخذ هذا وظيفة ذاك «وهذا الأمر قد حدث في جنس طائفة أهل القرآن وهو في غاية القبح منهم حتى رأيت من يسعى على شيخه الذي علمه العلم»،
27
وحدثنا أن من الناس من يأخذ «معلوم» الوظائف الدينية ولا يباشرها «وربما جمع بين إمامتين أو خطابتين مع أنه يفتي غيره بتحريم أكل ذلك المعلوم».
28
وحدثنا أن من المدرسين من كان يهمل فريضة الحج؛ لئلا ينتهز أحد إخوانه فرصة غيبته في الحجاز فينتهب منه وظيفة التدريس،
29
وأن من الناس من كان يساعد أخاه بالعمل في وظيفته وهو غائب ثم يخونه «ويتقرر فيها»،
30
وحدثنا أن المتزاحمين على الوظائف يغتاب بعضهم بعضا ويرجو أحدهم أن يقع في عرض أخيه لتسوء سمعته فيخلو له الطريق،
31
وأنه رأى من برطل حتى وصل إلى غيبة في شخص عند أمير.
32
وما أحسب هذه الأخلاق انقرضت بفضل ما توهمناه من تقدم المجتمع المصري، فلا يزال أهل مصر على ما كانوا عليه، بل زادت شمائلهم قبحا إلى قبح، وفسادا إلى فساد، وصارت الصلاحية للوظائف الرسمية لا تقوم إلا على أساس واحد وهو الرياء، والفائز اليوم هو من يعرف أخلاق رئيسه فيسوسه كما يسوس الدابة الحمقاء: فإن كان الرئيس رجلا يحب الوقوع في أعراض الناس كان على المرءوس الشاطر أن يقدم لأذنيه كفايتهما من الغذاء في كل صباح، وإن كان للرئيس أعداء اجتهد المرءوس في إيذائهم باختلاق المساوي والعيوب، وإن كان الرئيس من أدعياء الأدب كان من الفروض على المرءوس أن يزعم أنه أشعر من المتنبي، وأكتب من الجاحظ، وأخطب من سحبان. ولا يكفي أن يقول هذا في المجلس، بل تجب عليه المبادرة بنشر هذا الكذب في الصحف والمجلات، وليس للمرءوس في هذا الزمن أن يقول: «أنا» فإن فعل فهو غير مصقول، وليس له أن يتحدث عن مواهبه، إن كتب الله أن تكون له مواهب، فإن فعل فهو في نظر رئيسه مهرج على الطريقة الأمريكانية!
ومهما يفعل الرئيس فهو دائما في حدود المنطق والصواب، والويل للمرءوس إن مر بخاطره طيف اعتراض. إن الصغار الذي عاناه الشعراني كان أهون وأيسر؛ لأن الوظائف لم تكن كل شيء في المصاير الاجتماعية، أما الصغار الذي يعانيه أهل هذا الزمان فهو نهاية البلاء؛ لأن أحرارهم يعيشون تحت رحمة طائفة من الجهلة جن لهم الزمان فصاروا يرفعون ويخفضون بلا تحرج ولا استحياء، ولذلك أقبح الأثر في مصاير الناس.
ويستطيع الرئيس الأحمق فيما سمعت أن يكيد لمرءوسه كيف شاء بلا رقيب ولا حسيب، فإن نوقش الحساب اعتصم باللفظ الذي صنعه الدجالون في العصر الحديث وهو لفظ (الضمير) فتراه يقول بلا حياء: «ضميري لا يسم بصحبة هذا الموظف» ولو كان لكلمة الضمير مدلول لوجب أن يستقبل أكثر الرؤساء؛ لأنهم في الأغلب من الكسالى الذين لا ينفعون الدولة بكثير ولا قليل. والإقدام على إيذاء الناس هو وحده دليل على مرض الذمة واعتلال الوجدان
ما أحوج مصر الحديثة إلى شعراني جديد يفضح ما يقع بين الرؤساء والمرءوسين في المعاهد والدواوين!
إن هذا العصر أقبح عصر عرفته هذه البلاد، فقد سمعت أن الفضل الحق صار ذنب من لا ذنب له. ولو أنك ملأت طباق الأرض علما، وألفت من الكتب ما يعجز عن مثله أرسططاليس، وبرعت الملائكة في نقاء النفس، وكان لك أبلغ قلم وأفصح لسان، لو كنت أفضل الناس جميعا وحرمت نعمة الرياء لظللت حيث أنت محروما من كل شيء، حتى حسن السمعة بين الناس، وكنت خليقا بأن يتقدمك من لا خلاق له في علم ولا أدب ولا دين، ما دام يعرف كيف يتملق الرئيس، وكيف يشهد بأن رئيسه أطهر الرجال، وأن بيته أمنع البيوت وإن كان من زجاج