22
وحدثنا في كتاب لطائف المنن أنه ألف كتابا في أسئلة الجان، وهي نيف وسبعون سؤالا في التوحيد سأله عنها علماء الجان.
23
والإيمان بوجود الجن والعفاريت ليس خاصا بأهل القرن العاشر، ولكن الشاهد هنا أنه كان إيمانا عاما بحيث جاز لمثل الشعراني أن يعتمد عليه فيختلق أمثال هذه الأقاصيص.
وقد ظلت جماهير العوام على هذه العقيدة إلى اليوم، والأمهات في الريف يقلن للطفل: «اسم الله عليك وعلى أختك». وأخته هي الجنية؛ وفي طفولتي كنت أسمع أهل بلدنا ينهون عن جر العصا على الأرض بالليل لئلا تبطح «سكان» الأرض، وما أدري كيف حالهم اليوم فقد انقطعت عن الاتصال بهم منذ أمد بعيد. وقصة الملك شمهورش «ملك الجن» قريبة العهد، وقد فضحته جريدة الأهرام فلم ينبس بحرف! وحدثنا الأستاذ أنطون الجميل أنه تلقى من الدجالين خطابات تهديد، ومعنى ذلك أن أناسا يعيشون بفضل غفلة الجمهور واعتقادهم في الجان.
والإيمان بالجن كان له فضل في تلوين الأخيلة الأدبية، ولو أقدم كاتب فاستنطق العوام وكتب ما عندهم من حكايات الجن لأخرج مجموعة كبيرة من طرائف الأقاصيص.
والبيت «المسكون» لا يزال له وجود في الحواضر والأقاليم، وقد سمعت أن بعض المنازل في القاهرة تعطل سكناه لهذا السبب فيظل خاليا بضع سنين.
وأستاذنا الشيخ فلان، وهو من جماعة كبار العلماء، يصدق حكايات العفاريت، وقد قرأت منذ أشهر كلمة نشرها الأستاذ مصطفى عبد الرازق في مجلة الصاوي روي فيها أن جماعة من علماء الأزهر فزعوا حين رأوا نعلا ترتفع وتنخفض؛ وإنما فزعوا لأنهم توهموها محمولة على قرن عفريت، ثم ظهر أنها كانت جحرا يسكنه فأر خبيث. وبنو آدم بلا عقول!
وقد حاولت غير مرة أن أرى العفاريت، ولكني لم أفلح بالرغم مما بذلت من جهود، ولعل السبب في حرماني من رؤيتهم أن الجن لا يظهر بعضهم لبضع. وهو تعليل مقبول!
البحث عن الكنوز
وكان المصريون في ذلك الحين يؤمنون بالمغيب المدخر من كنوز الأرض وهو في لغتهم اسمه «المطلب»، ومن أمثالهم: «كلب أجرب، ولقي مطلب» وفي كلام الشعراني ما يدل صراحة على أنه كان من المألوف أن يحرق الناس البخور في سبيل المطلب. ولننظر كيف يقول:
قلت لشخص من أبناء الدنيا: تعال اسهر معنا هذه الليلة، وكانت ليلة العيد الأصغر، فتعلل بأن السهر يضره، فقلت: بالله عليك، أصدقني، إذا أردت أن تفتح مطلبا وأبطأ عليك البخور الذي تطلقه من العشاء إلى الفجر، هل كنت تسهر إلى الصباح تترقب مجيئه؟ فقال: نعم! فقلت له: فإذا أبطأ من بعد الفجر إلى المغرب، هل كنت تترقبه ولا تنام؟ فقال: نعم! فدرجته إلى تسعة أيام وهو يجد أنه يقدر على السهر من غير وضع جنبه إلى الأرض، فقلت له: في اليوم العاشر؟ فقال: لا أقدر. فقلت له: يا أخي فإذا أنت تؤثر الدنيا على الآخرة. فقال: نعم!
24
ولا يزال هذا الوهم حيا إلى اليوم في بعض الطبقات. ولكن وروده في كلام الشعراني على هذا الوضع يدل أنه كان من المألوف بين جميع الناس.
25
وكانت عقلية الشعراني عقلية عامية. وبفضل غفلته وغفلة أمثاله من العلماء والواعظين ظلت صورة المطلب حية في أنفس السواد، ولها حوادث تقع في مصر من حين إلى حين.
ولهذه الأسطورة أصل: فقد كان القدماء يدفنون أموالهم في الأرض خوفا من اللصوص، وكان يتفق أن يعثر بعض الأهالي على دفائن نفيسة من وقت إلى وقت، وغاب عنهم السبب الأصيل فظنوها من ذخائر الجن، والجن فيما يظهر يستهويهم البخور العطر فيجودون بدخائرهم حين ينتشون!
وإحراق البخور لا يحسنه كل إنسان، وإنما هو فن يجيده «المغربي» وحده؛ ولهذا كان للمغاربة سوق رائجة في هذه البلاد، ومنهم وحدهم تطلب الكنوز، وعليهم المعتمد في كتابة الأحجبة لجذب الأليف إلى الأليف، وفي «العباءة البيضاء» أسرار لا يدركها إلا الراسخون في علم الغيب!