16
وكان الشيخ أبو السعود لا يمكن أحدا من دخول بيته، لا في مرض ولا في غيره».
17
وهذه الحوادث رواها الشعراني لينص على ما عند أصحابها من شرف العفاف فهي تدل على أن مصر كسائر البلاد كانت تعرف طائفتين من الخلق: أهل الفضيلة وأصحاب المجون، وإن كانت هذه الوسوسة الخلقية تشهد بأن الفساد كان بغى واستطال.
صور التعذيب
وكان لطرق التعذيب في القرن العاشر صور مخيفة بشعة قاساها المصريون نعرفها من كلام الشعراني إذ يقول:
خذ علينا العهد أن لا نحضر قتل إنسان أو ضربه أو معاقبته ظلما ... فلا ينبغي لأحد أن يحضر مع الأطفال مواطن الظلم أو يخرج من بيته حتى ينظر من شنقه الولادة، أو شنكلوه، أو خوزقوه، أو وسطوه، أو خزموه في أنفه، أو سمروا أذنه في حائط، أو جرسوه على ثور، أو شحطوه في أذناب الخيل أو ضربوه في قطع الخليج ...
وقد أخبرني سيدي علي الخواص قال: رأيت الشيخ عز الدين المظلوم المدفون في كوم الريش بين مصر ومنية الأمير وهو (مخشب) هو وجماعته على جمال وهو يضحك. فقلت له: إيش هذا الحال؟ فقال: ما أراد أن نقدم عيله إلا هكذا.
18
وهذه الألوان من العقوبات أكثرها انقرض، ولم يبق إلا الشنق، وفيه الكفاية!
ومن غريب ما حدث الشعراني أن الناس كان من عاداتهم في الأعراس أن يلبسوا العرائس لباس الرجال من جندي وقاض وغيرها، «وذلك حرام لا يفعله في داره من له مروءة أهل الإيمان».
18
والشعراني يذكر أن الذين كانوا يلبسون العرائس ملابس الرجال هم المغنون.
وصل شعور النساء
وكان النساء في القرن العاشر يصلن شعورهن - وكنت أحسب ذلك من بدع هذه الأيام - وكن يخططن أبدانهن بالوشم، وكن يأخذن شعر الوجوه بالتحفيف، ومن هذا يقول أهل الريف لعهدنا هذا: «خرجت فلانة متحففة» وكن يفلحن أسنانهن بالمبرد.
19
إقامة الولائم في المقابر
وكان من عادة المصريين في القرن العاشر أن يقيموا ولائم كبيرة في المقابر يدعون إليها الأقارب والمعارف والأصدقاء، ولم تكن المقابر في ذلك الزمن إلا منازل خلوية لا تقام فيها مراحيض، فكان المدعوون يقضون حاجتهم في الخلاء فيحولون المقابر إلى مقاذر تزكم الأنوف، نأخذ هذا من الشعراني إذ يقول:
خذ علينا العهد أن لا نجيب إلى حضور الولائم الكبيرة على مقابر المسلمين لا سيما إن عملت في القرافتين بمصر المحروسة، وذلك لكثرة تنجيس قبور المسلمين من الأولياء والشهداء وغيرهم بالبول والغائط وروث الحمير والبغال عليه غالبا، وقد عجزوا أن يجدوا الآن قدر موضع قبر واحد في القرافتين من غير ميت حتى في الطرقات، وغالب خدام قبور الأولياء الآن يرفعون شواهد قبور المسلمين التي هي تجاه ذلك الولي ليقف عليها حمير الزوار وبغالهم لأجل جديد
20
أو كسرة خبز يعطونها لهم فاعلم ذلك، وإياك أن تجازف في الحضور فيحزقك بولك وغائطك فتفعله هناك ضرورة لازمة، وإن كان ولا بد من الحضور فاترك الأكل والشرب قبل ذلك بيوم أو يومين حتى تعلم من نفسك أنك لا تحتاج إلى بول ولا غائط هناك. وقد عد العلماء أمورا يسقط بها طلب الحضور للوليمة أهون من الجلوس على القبر والبول عليه.
21
وإقامة الولائم في المقابر ظلت حية إلى عهد قريب، وكنا نسمع عنها أخبارا قبيحة، وكانت في الأغلب تقام في ليالي الأعياد، ولكن ظهر أخيرا أنها تنتج بليتين: الأولى ما يقع في المقابر من الرجس، والثانية تعدد حوادث السرقة عند من يتركون بيوتهم ليبيتوا في القبور، وكانت النتيجة أن حرمت الحكومة المصرية هذه العادة الشائنة، واستراح الأموات من عبث الأحياء!
الإيمان بسلطان الجن والعفاريت
وكان المصريون في تلك الأيام يؤمنون جميعا إيمانا مطلقا لا شك فيه بوجود الجن والعفاريت؛ ودليل ذلك لأن الشعراني يتحدث عن الجن حديث من لا يخاف أبدا أن يقال له: كذبت مع أنه كذاب! ولنتركه «يتبحبح» قليلا فيحدثنا عن بعض أخباره مع الجن والعفاريت: «كان في بيتي امرأة من الجن فكانت إذا قربت مني قامت كل شعرة في جسدي، فكنت أذكر الله فتبعد من وقتها، ثم كانت تقف في طريقي إلى المسجد في الظلام فما فزعت منها قط، بل كنت أمر عليها في المجاز المظلم فأقول لها: السلام عليكم، وما نفر خاطري منها قط، مع أن طباع الإنس تنفر من الجن! وسكن عندي مرة أخرى جماعة من الجن أيام الغلاء فكنت أقول لهم: كلوا من الخبز والطعام بالمعروف، ولا تضروا بإخوانكم المسلمين، فأسمعهم يقولون سمعا وطاعة! وسكن جني في بيتي مرة أخرى فكان يأتي كل ليلة في صورة جدي كبير فيطفئ السراج أولا ثم يصير يجري في البيت فكان العيال يحصل لهم فزع فكمنت له تحت رف وقبضت على رجله فزلق وصار يستغيث فقلت له: تتوب؟ فقال: نعم! فلا يزال يدق في يدي حتى صارت رجله كالشعرة الواحدة. وخرج، فمن ذلك اليوم ما جاءنا. ونمت ليلة في بيت على الخليج الحاكمي ضيفا عند إنسان في قاعة وحدي فغلق علي فدخل جماعة من الجن فأطفأوا السراج وداروا حولي يجرون كالخيل. فقلت لهم: وعزة الله كل من دارت يدي عليه ما أطلقته إلا ميتا، ونمت بينهم فما زالوا يجرون حولي إلى الصباح ودخلت مرة الميضأة بجامع الغمري بالقاهرة أتوضأ؛ وكانت ليلة شتاء مظلمة، فدخل علي عفريت كالفحل الجاموس، فهبط في المغطس وصعد الماء فوق الإفريز نحو نصف ذراع، فقلت له: ابعد عني حتى أتوضأ، فلم يرض فجعلت في وسطي مئزرا وهبطت عليه فزهق من تحتي وخرج هاربا. ووقع لي مع الجن وقائع كثيرة، وإنما ذكرت لك ذلك لتعلم أن من قرأ الأوراد الواردة في عمل اليوم والليلة فليس للجن ولا للإنس عليه سبيل.