9
ونقل هذا الكلام بهذه الحماسة يدل على أن خروج النساء في ذلك العهد كان كثيرا، وكان مما يشوك أهل العفاف.
وسكوته عن فتن الشواطئ يدل على أن النساء لم يكن يعرفنها في تلك الأيام، وإن كان خصوم ابن خلدون من قبل عابوا عليه زيارة الشواطئ في أيام الاصطياف.
وفي كلام هذه «المصلية» ما يريب؛ لأن المعروف أن النساء يغلب عليهن الحذر والكتمان، فكيف أمكن أن تبوح امرأة مثل هذا البوح؟ وكيف جاز أن تكشف امرأة عن سريرتها الشهوانية هذا الكشف؟
إن صحت رواية الشعراني فهي صورة جديدة من المجتمع المصري لذلك العهد، ويمكننا أن نسجل أن «الأولياء» كان يسهل عليهم أن يصلوا إلى أسرار البيوت بفضل ما عرف عنهم من التقى والصلاح، فهم أشبه بالقسيسين الذين يدخلون المنازل بلا استئذان، ويحدثهم النساء عن أزماتهن الوجدانية بلا تحرج ولا استحياء، وهذا لا يزال يقع شيء منه في الريف، والشعراني نفسه حدثنا أن الله «كسر قفص طبعه» حتى صار لا يستحيي من تعليم النساء الأجانب آداب الجماع، فضلا عن الرجال،
10
وحدثنا أن جماعة من الأحمدية كانوا يتصلون بالنساء فيقول أحدهم للجارية الكبيرة: يا أمي، ولمثله يا أختي، ولدونه يا بنتي، ويجتمعون كلهم على السماط من غير احتجاب.
11
وحدثنا بعض من ترجموا للشعراني أنه كان يحمل الحملات عمن يعطف عليهم من المذنبين، و(حمل الحملات) الذي كان يقوم به الشعراني هو نفس الغفران الذي يقوم به القسيس. والصوفية والرهبان يرجعون إلى أصل واحد، وإن اختلفت الصور والأشكال.
شيوع الرشوة في مصر
ويظهر أن الرشوة كانت شائعة في ذلك الحين، فقد تحدث الشعراني عنها غير مرة وعرفنا منه أن الولاة كانوا يرشون من ولوهم ليأمنوا العزل.
12
موازنة بين حال الصوفي وحال القسيس في المجتمع
وزي الصالحين أو أدعياء الصلاح لعهد الشعراني كان شبيها بما تراه اليوم عند الدراويش، فقد نهى المريدين أن يلبسوا لباس الصالحين، ويفعلوا فعل الجاهلين «وذلك كالذي يلبس جبة من صوف، ويرخي لعمامته عذبة، ويأخذ بيده سبحة».
13
وعرفنا من كلامه أن من الصوفية من كان يلبس المرقعات الملونة من رقع خضر وصفر وحمر وسود، ومن يلبسون بشتا من ليف وخوص أو حلفاء، أو جلودا منزوعة الشعر أو طرطور جلد أو خوص مكشوفا بغير عمامة أو شملة حمراء أو خضراء.
14
ولبس الصوف كان لا يزال إلى القرن العاشر مما يختار الصوفية، وهو يدل على أن نسج الصوف بالطرق التي تصل به إلى الرقة والنعومة وتجعله من ملابس المترفين كان لا يزال بعيدا عن العامة من أهل ذلك الزمان.
واصطفاء الصوفية للبس الصوف مدة عشرة قرون يؤكد ما اخترناه من اشتقاق التصوف من الصوف.
وقد أشرنا غير مرة إلى أن لبس الصوف نقله الصوفية عن الرهبان، وقد عثرنا على أبيات صريحة في أنه كان مفهوما أن لبس الصوف كان من تقاليد المسيح، وأن المسيح كان يعرف المرقعات الملفقة من القطع البيض والسود، قال أبو الحسن المخزومي:
ليس التصوف أن يلاقيك الفتى
وعليه من نسج المسيح مرقع
15
بطرائق بيض وسود لفقت
فكأنه فيها غراب أبقع
إن التصوف ملبس متعارف
فيه لموجده المهيمن يخشع
سوء الظن بالناس
وكان المصريون في تلك الأيام يسيئون الظن بعضهم ببعض، ويبالغون في التحرز من الفن الخلقية، فقد حدث الشعراني أن الرجل الصالح محمد بن عراق كان لا يمكن ابنه عليا من الخروج إلى السوق حين كان أمرد إلا ببرقع خوفا عليه من السوء وخوفا على الناس من الفتنة،
16
وحدثنا أن الشيخ أبا الفضل بن أبي الوفا كان إذا طلب أولاده دخول الحمام أنزلهم بالليل في زورق من الروضة إلى مصر العتيقة «ويقذف بهم وحده، ثم يطلع بهم إلى الحمام، فيدخله قبلهم ويفتش في جميع عطفه من المستوقد والسطوح ثم يخرج من يكون هناك ويغلق باب الحمام ويجلس على بابه حتى يقضين حاجتهن،