تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

وأهم ما تحدثنا به كتب الصوفية هو وصف ما كان عليه المجتمع من الأخلاق؛ لأنهم لا يتحدثون إلا عن فضائل تشهاها المجتمع، أو فريق من المجتمع، ولا يصفون من الرذائل إلا ما تألم منه المجتمع، أو بعض المجتمع، فهم الوصافون الصادقون لما كان في المجتمع من خير وما كان فيه من فساد.

تحريم شرب القهوة

وما نريد في هذا الفصل أن نتحدث عن جميع المجتمعات الإسلامية، فإن هذا عبء ثقيل، وإنما نريد أن نذكر ملامح من المجتمع المصري؛ لأننا نعرفه أكثر من سواه. وهذه الملامح نأخذها من مؤلف واحد هو الشعراني في كتب ثلاثة هي: لطائف المنن ولواقح الأنوار والبحر المورود.

شيوع النفاق

فالمصريون في القرن العاشر كانوا ينفرون من شرب القهوة ويرون ذلك من الهنوات. وقد غمز الشعراني معاصريه فذكر أنهم «يفعلون الأمور المحرمة بالإجماع كالغيبة والنميمة وأكل الحرام من بيوت المكاسين ونحوهم ولا يجدون في نفوسهم شدة قبح من ذلك كما تنفر نفوسهم من شرب القهوة مثلا»؛ وذلك لأنهم يشهدون الناس لا يفسقونهم بالغيبة وأكل الحرام لكثرة وقوع الناس في ذلك، بخلاف شرب القهوة بين الفقهاء؛ فلذلك نفرت النفوس من شرب قليل القهوة ولم تنفر من كثير الغيبة والنميمة وأكل الحرام.

4

وحدثنا في لطائف المنن:

5

أن شخصا كان يغتاب الناس ليلا ونهارا ويمزق أعراض العلماء والصالحين، فقال له صديق: اشتر لي بهذا العثماني قهوة أشربها، فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لو ضربت بالسيف ما دخلت بيت القهوة! وهذان النصان صريحان في أن شرب القهوة كان من الفسوق.

غرام المصريين بالألقاب

وكان المصريون في القرن العاشر يحبون الألقاب، أكثر مما يحبونها اليوم، يدل على ذلك أن الشعراني قال: (أخذ علينا العهد أن لا نتكدر قط ممن نادانا باسمنا مجردا من غير لفظ سيادة أو ولاية أو مشيخة ونحو ذلك من الألفاظ المفخمة)؛

6

وكلمة (يتكدر) تدل على أنهم كانوا يغتمون حين يجردون من الألقاب. ومن الشعراني عرفنا كيف كان يكثر تلقيب العلماء بأمثال قطب الدين، وشمس الدين، ونور الدين، وهي ألقاب لا يكاد الشخص يصدق فيها إلا بتأويل.

اللحية علامة الرجولة

وكانت اللحية في ذلك العهد من علائم الرجولة، بدليل قول الشعراني: «وكيف يليق بمن له لحية أن ينام كالجيفة وأم قونق أو الناموسة مستيقظة».

7

ولعل الحلف بالذقن جاء من هذا المعنى.

النظافة

وكان المصريون حينذاك لا يراعون النظافة فكانت الحكومات تقهرهم على نزح الخرارات. ولعل ما كتبه في ذلك خاص بطبقات الفقراء.

خروج النساء إلى الحمامات

وكان النساء في ذلك الزمن «يكثرن من الذهاب إلى الحمامات العمومية، ويخرجن للأسواق والزيارات للأصحاب والأعراس التي لا انضباط فيها على القوانين الشرعية والعزومات والمتفرجات التي يقع فيها اختلاط الرجال بالنساء».

8

وهنا ينطلق الشعراني فيشرح ما في خروج النساء من المفاسد، وكلامه في هذه النقطة يدل على بصر ثاقب ويشهد بأنه كان من أهل الخبرة بتقلب القلوب، وعنده أن الرجل قد يكون شيخا طعن في السن أو قبيح المنظر وزوجته شابة حسناء فترجع من السوق أو من الزيارة وهي لا تشتهي أن تنظر إلى زوجها، ولا تقبل أن يقبلها، أو يلامسها، وحدثنا أن امرأة متدينة «مصلية» قالت له: إني أكره الخروج إلى السوق. فقال: لماذا؟ فقالت: لأني أنظر إلى الأشكال الحسنة فتميل إليها نفسي، فأرجع لا أقدر أنظر في وجه زوجي. قالت: وقد دخلت مرة سوق الوراقين فرأيت شابا فأخذ بمجامع قلبي فرجعت، فوالله ما رأيت زوجي في عيني إلا كالقطرب أو كالغول أو كالعفريت أو كالبقرة، وكما أن الرجل إذا رأى المرأة الحسناء مالت إليها نفسه فكذلك المرأة إذا رأت الشاب الأمرد الجميل تروح نفسها إليه. قالت: رأيت مرة إنسانا من الطاق وزوجي عندي وصرت أنظر إلى حسن شكل ذلك الإنسان وحسن لحيته ووجهه وعيونه وأنظر إلى زوجي وإلى تشعيث شعر لحيته وكبر أسنانه وأنفه وعمش عينيه وخشونة جلده وملبسه وفظاظته وتغير رائحة فمه وإبطه وقبح كلامه، فما كنت إلا فتنت بذلك الإنسان. قالت: ثم إني تبت إلى الله تعالى عن الخروج مطلقا، لا لحمام ولا لزيارة ولا لغيرها فصار زوجي في عيني كالعروس.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١١٢