تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويتصل بهذا الفن تحويلهم قصائد المجون إلى عظات، فقد ذكروا أن ابن الجوزي خرج يوما لبعض شونه فسمع قائلا يقول:

إذا العشرون من شعبان ولت

فواصل شرب ليلك بالنهار

ولا تشرب بأقداح صغار

فقد ضاق الزمان عن الصغار

فخرج هائما على وجهه إلى مكة، فلم يزل يعبد الله بها حتى مات، ففهم من الشاعر انصرام العمر وضيق الزمان.

8

قال في لطائف المنن: واعلم أن هذه المفهومات المعنوية الخارجة عن الفهم الظاهر ليست بإحالة اللفظ عن مفهومه، بل هو فهم زائد على الفهم العام يهبه الله لهذه الطائفة من أرباب القلوب، وهو من باطن الحكم المندرج في ظاهره اندراج النبات في الحبة.

8

وأنشد إنسان في مجلس مكين الدين بن الأسمر:

لو كان لي مسعد بالراح يسعدني

لما انتظرت لشرب الراح إفطارا

الراح شيء شريف أنت شاربه

فاشرب ولو حملتك الراح أوزارا

يا من يلوم على الصهباء صافية

خذ الجنان ودعني أسكن النارا

فقال بعض فقهاء الظاهر: لا يجوز قراءة هذه الأبيات، فقال مكين الدين: دعوه فإنه رجل محجوب. يعني أنه لا يفهم إلا الشراب الحسي دون المعنوي، وهو جمود. «وقد يختلف الشرب لجماعة من آنية واحدة لاختلاف مقامهم، كقضية الرجال الذين سمعوا قائلا يقول: (يا سعتر بري) وكانوا ثلاثة، فكل واحد سمع ما يليق بحاله، فسمع الأول: الساعة ترى بري، وسمع الثاني: إسع ترى بري، وسمع الثالث: ما أوسع بري! فالأول كان مستشرفا، والثاني كان مبتدئا، والثالث كان واصلا».

8

وسيجيء لذلك تفصيل في الجزء الثاني عند الكلام عن الحب.

والقوم يستبيحون إلقاء الحقائق بالإشارات اللطيفة والغزل الرقيق، وهم سادة الناس في علم الذوق، ولو جردوا تعابيرهم من الاستعارات التمثيلية لأضافهم العوام إلى الملحدين. ولو خلت الدنيا من أصحاب الأذواق لأمست ظلمات من فوقها ظلمات.

| صور المجتمع الإسلامي في كتب الصوفية

صدق الصوفية في الوصف

أشرنا من قبل إلى الألفاظ الصوفية، وقلنا: إنها ثروة لغوية أنشأها التصوف، فلنشر الآن إلى أن هذه الناحية تستحق الدرس، ولكنا لن نفصل ذلك؛ لأن القدماء من علماء المسلمين اهتموا بها اهتماما شديدا، وتركوا فيها مباحث تقرأ؛

1

ولأن المستشرقين أطالوا فيها القول، ولا سيما المسيو ماسينيون في كتابه المعروف:

Essai sur les Origines du Lexique Technique de la Mystique Musuhanane .

فلنفترع نحن مبحثا بكرا لم يمسه أحد من قبل، وهو استخراج صور المجتمع الإسلامي من كتب الصوفية.

صور الطبقات والحكومات في كتب الصوفية

ولكن ما هو الجديد في ذلك؟ إن جميع الآثار الأدبية هي في صميمها وصف للمجتمع الذي تنشأ فيه، فكيف يكون الالتفات إلى هذه الناحية من المبتكرات!

والجواب أن المؤلفات الصوفية لها صبغة تميزها عن سائر الآثار الأدبية؛ لأن الصوفية في الأغلب يكتبون للعوام، ويكتبون بلغة سهلة لا تكلف فيها ولا افتعال، فهم يصورون المجتمع من نواحيه الخلقية واللغوية تصويرا صادقا لا مداورة فيه ولا احتيال، ويساعدهم على صدق الوصف أنهم في الأغلب يبغضون التزوير، ولا يتحدثون إلا عما يشيع من المناقب والمثالب والمحاسن والعيوب.

المجتمع المصري في القرن العاشر

وأول ما ينبغي تقييده هو وجود هذه الطوائف الصوفية في صلب المجتمع الإسلامي، فهم شراذم من الصالحين ومن الأدعياء يملئون المساجد والأسواق، ولهم على الجمهور سلطان رهيب. وكتب التصوف تدلنا على أنظمتهم الدينية، ومنازلهم الاجتماعية، وتشهد بما كانوا عليه في المطاعم والملابس والسمات.

2

وتحدثنا أيضا كتب التصوف أن المجتمع الإسلامي كانت تتنازع السيطرة عليه طائفتان تقتتلان: وهما أهل الحقيقة وأهل الشريعة، وكان لكل طائفة أنصار وأشياع، وهذا النزاع كانت له مظاهر مختلفة، وكان له أثر في تلوين الأذاق والعقول.

وتحدثنا كذلك أن الناس كانوا يثورون على الحكومات الإسلامية لأسباب عقلية وروحية، أكثر مما يثورون عليها لأسباب اقتصادية؛ فالحاكم كان يبغض لأنه ينصر هذا المذهب أو ذاك، قبل أن يبغض لأنه قصر في تدبير أمور المعاش لجماهير المحكومين، ومن أجل ذلك كان الساسة المهرة يصلحون ما بينهم وبين الصوفية ليستخدموهم في بث الدعاية ونشر ما يحبون أن يوصفوا به من بغض الظلم، وإيثار العدل، وحب الكرم والجود - والشعراني نفسه استخدمه حكام عصره في تجميل سمعتهم بين الناس، ودفعوا ثمن ذلك بالسكوت عن أوقاف زاويته وكانت تحيط بها شبهات.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١١١