تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4

صرعى الغناء

وأقاصيص ذي النون كثيرة، وقد ساق بعضها ابن خلكان، ثم بدا له أن يدفع ما قد ترمي به من المبالغة فقال: وقد جرى في زمني شيء من هذا يليق أن أحكيه، وذاك أنه كان عندنا بمدينة إربل مغن موصوف بالحذق والإجادة في صنعة الغناء يقال له: (الشجاع جبريل) فحضر سماعا سنة عشرين وست مئة، فإنني أذكر الواقعة وأنا صغير، وأهلي وغيرهم يتحدثون بها في وقتها، فغنى الشجاع القصيدة الطنانة البديعة التي لسبط بن التعاويذي وأولها:

سقاك سار من الوسمي هتان

ولا رقت للغوادي فيك أجفان

إلى أن وصل إلى قوله:

ولي إلى البان من رمل الحمى وطر

فاليوم لا الرمل يصبيني ولا البان

وما عسى يدرك المشتاق من وطر

إذا بكى الربع والأحباب قد بانوا

وليلة بات يجلو الراح من يده

فيها أغن خفيف الروح جذلان

خال من الهم في خلخاله حرج

فقلبه فارغ والقلب ملآن

5

يذكي الجوى بارد من ثغره شبم

ويوقظ الوجد طرف منه وسنان

إن يمس ريان من ماء الشباب فلي

قلب إلى ريقه المعسول ظمآن

بين السيوف وعينيه مشاركة

من أجلها قيل للأغماد: أجفان

فلما انتهى إلى هذا البيت قام بعض الحاضرين وقال له: يا شجاع، أعد ما قلته، فأعاده مرتين، أو ثلاثا، وذلك الشيخ متواجد. ثم صرخ صرخة هائلة ووقع، فظنوه قد أغمي عليه، فافتقدوه بعد أن انقطع حسه فوجدوه قد مات. فقال الشجاع: هكذا جرى في سماعي مرة أخرى فإنه مات فيه شخص آخر.

6

فتنة القوالين

والمغني الذي ينشد الأشعار في المحافل كان يسمى (القوال) وللقوالين نوادر كثيرة مع الصوفية، من ذلك ما وقع حين زار ذو النون بغداد فقد حضر أحد تلامذته مجلس أحد القوالين فلما طاب السماع وتواجد السامعون صرخ ذلك التلميذ ووقع فحركوه فوجدوه ميتا، فوصل الخبر إلى ذي النون فقال لأصحابه: تجهزوا حتى نصل إلى ذلك القوال، فلما وصلوا إليه غنى ذو النون وأصحابه والقوال يسمع، ثم صرخ ذو النون فوقع القوال ميتا، فقال ذو النون: قتيل بقتيل، أخذنا ثأر صاحبنا!

التذكير بالمشكلات الأخلاقية

وقد تتجه هذه الأقاصيص إلى التذكير بالمشكلات الأخلاقية، حدث ذو النون قال: رأيت فتى ظاهره الجنون، فعلمت أنه بحب مولاه مفتون، فسمعته يبكي ويقول في مناجاته: مولاي، قربت المحبين، وطردتني، فما ذنبي! وخصصتهم بالوصال منك، وهجرتني، فوا كربي! أيقظتهم للقيام بين يديك، وأنمتني، فوا ندمي! لذذتهم في السحر بمناجاتك، وما لذذتني، فوا ألمي! ثم أخذ في البكاء.

قال ذو النون: فحرك منى ما كان ساكنا، وهيج من شوقي ما كان كامنا، فقلت له: يا فتى، ما هذا البكاء؟ فقال: يا ذا النون، أخبرني، سواد الثوب يزول بالماء والصابون، وسواد القلب بماذا يزول؟

7

التشابه بين أخبار العشاق وأخبار الصوفية

والقصص الصوفي كالقصص الغرامي فيه الصحيح والسقيم، والمبتذل والطريف، والمهم أن نسجل هذه الظاهرة الأدبية التي تمثل الاستشهاد في الحب، حب الله، فقد كان ما أوحته من الأقاصيص متعة الأسمار حينا من الزمان.

ومن المؤكد أن القصص الصوفي فرع من القصص الغرامي، والذين وضعوا الأقاصيص الصوفية لحظوا في الصياغة ألوان الأقاصيص الغرامية، والرواة في الحالين من أهل الأدب والبيان.

ولنذكر في ختام هذا الفصل أن أخبار الصوفية تشبه أخبار العشاق، فقيس بن الملوح فتنته ليلى فترك أهله وخرج هائما يتنقل تنقل المجنون من أرض إلى أرض، وإبراهيم بن أدهم أحب الله فخرج من ماله وجاهه وهام مع الهائمين.

وشهداء الحب في الحالين فتيان صباح الوجوه، لهم قلوب وأذواق، وفيهم شمائل الملوك، والرواة في الحالين قوم تفتنهم المشاهد المحزنات، وتروقهم حلاوة الأشعار والأسجاع. ولو جمعت الأقاصيص الغرامية والأقاصيص الصوفية في كتاب واحد لكانت المأساة واحدة، وإن اختلف اسم المحبوب.

نقل الشعر من المحسوس إلى المعقول

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١١٠