تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن كان ربي قد قضى كل ذا

منك على رأسي فما أصنع

وعلى رأس محمد غلام على أحسن ما يكون من الجمال، وبيده قدح، فوضع القدح من يده وقال: تصنعين مثل ذا - ورمى بنفسه من الدار إلى دجلة - فلما رأت الجارية ذلك هتكت الستارة ورمت بنفسها على أثره، فغرقا جميعا، قال الجاحظ: فقطع محمد الشراب بعد ذلك شهرا.

2

عثمان الغريب

ولهذا الفن شواهد كثيرة جدا، وقد ضمخ الأدب العربي بعبير الأنفاس الوجدانية، وكان الناس يغرمون بتقييد أوابده في العصر الأموي والعصر العباسي.

فلنذكر في هذا الفصل كيف انتقل هذا الفن إلى الرحاب الصوفية، وكيف صار في أنديتهم أنفس ما يدور من الأسمار والأحاديث.

روى صاحب الروض الفائق عن عبد الصمد البغدادي قال: كنت أتجر من بغداد إلى بلاد اليمن، وأحج في كل سنة، فبينما أنا في بعض السنين في الطريق بين منى وعرفة إذ رأيت شابا حسن الشباب، نقي الأثواب، كأن وجهه قنديل، وهو راقد على الرمل، وتحت رأسه حجر، وهو يعالج سكرات الموت، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، وقلت له: ألك حاجة؟ قال: نعم، تقيم عندي ساعة حتى أقضي نحبي، وألحق بربي، فقلت له: ما الذي تريد؟ فقال: إذا أنا مت فوارني التراب، وخذ هذه المعضدة من كتفي، فإذا وصلت إلى صنعاء اليمن فسل عن دار الوزارة، فإذا خرجت إليك عجوز وبنات فادفع إليهن هذه المعضدة وقل لهن: عثمان الغريب يقرئكن السلام. ثم غاب عن حسه ساعة ثم أفاق وهو يقرأ (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون) ثم شهق شهقة فارق فيها الدنيا، فغسلته وكفنته ووجهه يضيء ويتلألأ نورا، ثم صليت عليه في جماعة ودفنته، ثم أخذت المعضدة، فلما وصلت إلى صنعاء اليمن سألت عن الدار فخرجت إلي عجوز وبنات فدفعت إليهن المعضدة، فلما رأينها أخذن في البكاء والنحيب، وخرت العجوز مغشيا عليها، فلما أفاقت قالت: وأين ذهب صاحب هذه المعضدة؟ فأخبرتها بخبره وما كان منه، فقالت: هو والله ولدي عثمان، وهؤلاء أخواته، ترك أهله وحشمه وخدمه وزهد في الدنيا وخرج سائحا على وجهه لا ندري أين ذهب، فجزاك الله عني وعن ولدي خيرا، ثم بكت وجعلت تقول:

يا فقيدا أضحى وحيدا غريبا

يا عزيزا أمسى ذليلا كئيبا

قد هجرت الديار من بعد أنس

وسكنت القفار فردا سليبا

وتغربت في البلاد حزينا

بانفراد ولست تدعو مجيبا

منذ فارقتني تنغص عيشي

ولقد كنت لي خليلا حبيبا

ليتني مت قبل يومك قهرا

ليتني كنت من حماك قريبا

فعليك السلام مني حقا

كلما حرك النسيم قضيبا

3

ففي هذه الأقصوصة خصائص الأقاصيص الغرامية: فالشهيد (شاب حسن الشباب، نقي الأثواب) والذي يحضره رجل ظاهر المروءة يواسيه ساعة الموت، ويحمل سلامه إلى أهله بعد أن يواريه التراب، فإن فاته أن ينطقه بالشعر لم يفته أن ينطق أهله بأبيات فيها بكاء وأنين.

البراقع على أوجه الشبان

وحكى بعضهم قال: كنا مارين على دجلة بين البصرة والأبلة وإذا قصر حسن له منظرة، وعليه رجل، وبين يديه جارية تغني وتقول:

في سبيل الله ود

كان مني لك يبذل

كل يوم تتلون

غير هذا بك أجمل

فإذا شاب تحت المنظرة بيده ركوة وعليه مرقعة يسمع، فقال: يا جارية! بحياة مولاك أعيدي:

كل يوم تتلون

غير هذا بك أجمل

فأعادت، فقال الفقير: هذا والله حالي مع الله، وشهق شهقة خرجت بها روحه، فقال صاحب القصر للجارية: أنت حرة لوجه الله تعالى، وأعتق جميع مماليكه وتصدق بالقصر وبجميع ماله، وائتزر بخرقة وارتدى بأخرى وذهب على وجهه، فلم ير له أثر، ولم يعرف له خبر.

3

وحدث أبو على الروزباري قال: جزت يوما بقصر فرأيت شابا حسن الوجه مطروحا وحوله ناس مجتمعون فسألتهم عنه، فقالوا: إنه جاز بهذا القصر فسمع جارية تغني وتقول:

كبرت همة عبد

طمعت في أن تراكا

أو ما حسب لعين

أن ترى من قد رآكا

3

وقال ذو النون المصري: سمعت برجل باليمن قد سما على المحبين، وفاق على المجتهدين، وعرف بالعلم والحكمة، فخرجت حاجا، فلما قضيت نسكي مضيت إليه لأسمع كلامه وأنتفع بموعظته، أنا وأناس معي يطلبون مثل ما أطلب، وكان معنا شاب عليه سيما الصالحين، وشعار المحبين، فخرج الشيخ إلينا فجلسنا إليه فبدأ الشاب بالسلام والكلام، فصافحه الشيخ وأقبل عليه فقال له الشاب: يا سيدي، قد جعلك الله طبيبا لأسقام القلوب، وبي جرح قد أعيا الأطباء، فإن رأيت أن تتلطف بي ببعض مراهمك فافعل، فقال الشيخ: عما بدا لك فاسأل. فقال: ما علامة الحب لله؟ قال: أن تنزل نفسك منزلة السقيم، ألا تراه يحتمي من الطعام، حذرا من السقام؟ فصاح الفتى صيحة ظننا روحه قد خرجت، فلما أفاق قال: يرحمك الله! فما علامة المحبين؟ قال: إن درجة المحبين رفيعة، فقال: صفها لي، فقال: إن المحبين لله تعالى نظروا إلى نور جلال الله فصارت أبداهم روحانية، وعقولهم سماوية، تسرح بين صفوف الملائكة بالعيان، وتشاهد تلك الأمور باليقين، فعبدوه بمبلغ استطاعتهم، لا طمعا في جنته، ولا خوفا من ناره، فشهق الفتى شهقة خرجت فيها روحه.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٠٩