تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألا فاكفف الأحزان عني مع الضر

بعذراء زفت في ملاحفها الخضر

تجلت لنا لما تحلت بسندس

فجلت عن التشبيه في النظم والنثر

بدت تملأ الأبصار نورا بحسنها

فأخجل نور الروض والزهر بالزهر

عروس يسر النفس مكنون سرها

وتصبح في كل الحواس إذا تسرى

فللذوق منها مطعم الشهد رائقا

وللشم منها فائق المسك بالنشر

وفي لونها للطرف أحسن نزهة

يميل إلى رؤياه من سائر الزهر

تركب من قان وأبيض فانثنت

تتيه على الأزهار عالية القدر

فتكسف نور الشمس حمرة لونها

وتخجل من مبيضه طلعة البدر

علت رتبة في حسنها وكأنها

زبرجد روض جاده وابل القطر

تبدت فأبدت ما أجن من الهوى

وجاءت فولت جند همي والفكر

جميلة أوصاف جليلة رتبة

تعالت فغالى في مدائحها شعري

فقم فانف جيش الهم واكفف يد العنا

بهندية أمضى من البيض والسمر

بهندية في أصل إظهار أكلها

إلى الناس لا هندية اللونكالسمر

تزيل لهيب الهم عنا بأكلها

وتهدي لنا الأفراح في السر والجهر

وهذا الشاعر يرد الفضل في الكشف عن الحشيشة إلى حكيم من حكماء الهند، ويظهر أن الأمر كذلك، فقد قال المقريزي: إنها كانت معروفة عند اليونان وتحدث عن خواصها ومنافعها ومضارها بقراط وجالينوس.

21

ولكن المهم هو النص على أنها كانت شاعت في البيئات الصوفية حتى سميت «حشيشة الفقراء».

والظاهر أنه يجب الاحتراس من الآفات الأخلاقية التي تنشأ من مصاحبة أصحاب الأذواق.

فالصوفية بلا شك كانت لهم «أياد» في نشر آفة الحشيش بين الجماهير الفارسية والعراقية والشامية والمصرية.

جماعة من الصوفية يدرسون معاني الذوق في حديقة.

والصوفية هم الذين حببوا إلى الفلاحين المصريين شرب الشاي حتى صار آفة تطاردها الحكومة؛ لتمنع أذاها عن الناس.

وفي الثناء على الشاي يقول رجل من كبار الصوفية اليوم، وهو السيد عبد العظيم القاياتي:

وعسجد الشاي يجلي

في أكؤس من لجين

هذا يروق لقلبي

وذا يروق لعيني

والدروايش في حي الحسين بالقاهرة يهددون من يغضبون عليه بالأرق ثم يحتالون فيسقونه كأسا من «الشاي الأسود» فيقضي الليل وهو مورق الجفون، فيتخيل ذلك «كرامة» وما علم لجهله أن نومه طار بفضل الوهم وبفضل السم المدوف في ذلك المنقوع!

ومن تلك الآفات ترهف الأذواق والأحاسيس فيحيا الأدب ويستطيل.

والأدب كالنار، والنار لا تتمرد إلا حين تجد الطعام المعطوب من الشجر والنبات!

| نقل الأقاصيص الغرامية إلى الجواء الصوفية

أقاصيص الحب

كان عند العرب فن أدبي معروف هو أقاصيص الشهداء في الحب وكان الأصمعي أشهر رواة ذلك الفن، ففي كتاب الأمالي وكتاب تزيين الأسواق وديوان الصبابة ومصارع العشاق نرى الأصمعي يواجهنا من حين إلى حين بأخبار من صرعهم الحب بعد سماع أشعار النسيب، كأن يقول: رأيت بالبادية رجلا قد دق عظمه، ونحل جسمه، ورق جلده، فتعجبت منه، ودنوت منه لأسأله عن حاله فقالوا: أذكر له شيئا من الشعر يكلمك، فقلت:

سبق القضاء بأنني لك عاشق

حتى الممات فأين عنك المذهب

فشهق شهقة ظننت أن روحة فارقته. ثم أنشأ يقول:

أخلو بذكرك لا أريد محدثا

وكفى بذلك نعمة وسرورا

أبكي فيطربني البكاء وتارة

يأبى فيأتي من أحب أسيرا

فإذا أتى سمج بفرقة بيننا

أعقبت منه حسرة وزفيرا

فقلت له: أخبرني عنك، فقال: إن كنت تريد علم ذلك فاحملني وألقني على باب تلك الخيمة ففعلت فأنشأ يقول بصوت ضعيف:

ألا ما للمليحة لا تعود

أبخل ذاك منها أم صدود

فلو كنت المريضة كنت أسعى

إليك ولم ينهنهني الوعيد

فإذا جارية مثل القمر قد خرجت فألقت نفسها عليه، فاعتنقا، وطال ذلك وسترتهما بثوبي خشية أن يراهما الناس، فلما خفت عليهما الفضيحة فرقت بينهما فإذا هما ميتان.

1

ومن ذلك ما حدث الجاحظ إذ قال: كان محمد بن حبيب الطوسي جالسا مع ندمائه، وقد أخذ الشراب برءوسهم إذ غنت جارية له من وراء ستارة:

يا قمر القصر متى تطلع

أشقى وغيري بك يستمتع

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٠٨