تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والطعن في الصوفية يرجع إلى أصلين: الأول الهجوم عليهم من الوجهة النظرية، وهذا عمل قام به رجال الشريعة، ولهم فيه أبحاث طوال تعد ثروة عقلية وفقهية، والثاني الهجوم عليهم من الوجهة العملية، وهذا عمل قام به رجال الأخلاق ومن لف لفهم من الأدباء الساخرين، وسنجد لهذا الأصل شواهد حين نتكلم عن «الحب» في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

ونكتفي في هذا الفصل بإيراد شواهد من كلام الأدباء في غمز الصوفية واتهامهم بالسبق إلى كشف «فضائل» الحشيش.

والصورة التي أذيعت بها طريقة ذلك الكشف صورة فنية رائعة؛ لأنها تبين أثر «الذوق» في حياة الصوفية، فقد حدثوا أن الشيخ حيدر كان يقيم في نشاور من بلاد خراسان، وأقام له زاوية في الجبل مكث بها أكثر من عشر سنين، ثم طلع ذات يوم وقد اشتد الحر منفردا بنفسه إلى الصحراء، ثم عاد وقد علا وجهه نشاط وسرور بخلاف ما كان يعهده عليه أصحابه من قبل، وأذن لأصحابه بالدخول عليه وأخذ يحادثهم، فلما رأوه على حال من المؤانسة لم يعهدوها فيه بعد إقامته تلك المدة الطويلة في خلوة وعزلة سألوه عن ذلك فقال: بينما أنا في خلوتي إذ خطر ببالي الخروج إلى الصحراء منفردا، فخرجت فوجدت كل شيء من النباتات ساكنا لا يتحرك لعدم الريح وشدة القيظ، ومررت بنبات له ورق فرأيته في تلك الحال يميس بلطف، ويتحرك من غير عنف، كالثمل النشوان، فجعلت أقطف منه أوراقا وآكلها فحدث عندي من الارتياح ما شاهدتموه.

19

تلك هي الصورة، وهي باب من الفتون، فذلك الصوفي لم يفته أن يراقب النبات وقت القيظ، ولم يغب عن ذهنه المتوقد أن ذلك النبات لم يتفرد بالحركة وقت الخمود إلا وفيه سر خاص.

وقد هدى أصحابه إلى تلك «الحشيشة» وأوصاهم بكتمان سرها عن العوام، وقال:

إن الله تعالى قد خصكم بسر هذا الورق ليذهب بأكله همومكم الكثيفة، ويجلو بفعله أفكاركم الشريفة، فراقبوه فيما أودعكم، وراعوه فيما استرعاكم.

وقد «تلطف» الشيخ حيدر فأوصى أصحابه عند وفاته باطلاع ظرفاء خراسان وكبرائهم على سر هذا العقار.

وقد أمرهم بزرع هذا الحشيش حول ضريحه بعد أن يموت، كأنه تذكر وصية من قال:

إذا مت فادفني إلى جنب كرمة

يروي عظامي بعد موتي عروقها

ولا تدفنني في الفلاة فإنني

أخاف إذا ما مت ألا أذوقها

وهنا تبدأ السخرية من الصوفية، فقد عبث الأدباء بتلك الحشيشة وسموها «مدامة حيدر»، وفي ذلك يقول محمد بن علي الدمشقي:

دع الخمر واشرب من مدامة حيدر

معنبرة خضراء مثل الزبرجد

يعاطيكها ظبي من الترك أغيد

يميس على غصن من البان أملد

فتحسبها في كفه إذ يديرها

كرقم عذار فوق خد مورد

يرنحها أدنى نسيم تنسمت

فتهفو إلى برد النسيم المردد

وتشدو على أغصانها الورق في الضحى

فيطربها سجع الحمام المغرد

وفيها معان ليس في الخمر مثلها

فلا تستمع فيها مقال مفند

هي البكر لم تنكح بماء سحابة

ولا عصرت يوما برجل ولا يد

ولا عبث القسيس يوما بكأسها

ولا قربوا من دنها كف مقعد

ولا نص في تحريمها عند مالك

ولا حد عند الشافعي وأحمد

ولا أثبت النعمان تنجيس عينها

فخذها بحد المشرفي المهند

وكف أكف الهم بالكف واسترح

ولا تطرح يوم السرور إلى غد

وسخر أحمد بن محمد الحلبي من «عصابة حيدر» فقال:

ومهفهف بادي النفار عهدته

لا ألتقيه قط غير معبس

فرأيته بعض اللياي ضاحكا

سهل العريكة ريضا في المجلس

فقضيت منه مآربي وشكرته

إذ صار من بعد التنافر مؤنسي

فأجابني لا تشكرن خلائقي

واشكر شفيعك فهو خمر المفلس

فحشيشة الأفراح

20

تشفع عندنا

للعاشقين ببسطها للأنفس

وإذا هممت بصيد ظبي نافر

فاجهد بأن يرعى حشيش القنبس

واشكر «عصابة حيدر» إذ أظهروا

لذوي الخلاعة مذهب المتخمس

ودع المعطل للسرور وخلني

من حسن ظن الناس بالمتنمس

وقد أكثر الشعراء من وصف الحشيشة على نحو ما أكثروا من وصف الخمر حتى صح لعلي بن مكي أن يقول:

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٠٧