تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد جاء فيه أن وهب بن منبه قال: صحب رجل بعض الرهبان سبعة أيام ليستفيد منه شيئا فوجده مشغولا عنه بذكر الله تعالى، والفكر لا يفتر، ثم التفت إليه في اليوم السابع فقال: يا هذا، قد علمت ما تريد، حب الدنيا رأس كل خطيئة، والزهد في الدنيا رأس كل خير، والتوفيق نتاج كل خير؛ فاحذر رأس كل خطيئة، وارغب في رأس كل خير، وتضرع إلى ربك أن يهب لك نتاج كل خير. قال: فكيف أعرف ذلك؟ قال: كان جدي رجلا من الحكماء قد شبه الدنيا بسبعة أشياء: شبهها بالماء الملح يغر ولا يروي، ويضر ولا ينفع،

14

وبسحاب الصيف يغر ولا ينفع، وبظل الغمام يغر ويخذل، وبزهر الربيع ينضر ثم يصفر فتراه هشيما، وبأحلام النائم يرى السرور في منامه فإذا استيقظ لم يكن في يده إلا الحسرة، وبالعسل المشوب بالسم الزعاف يغر ويقتل. فتدبرت هذه الأحرف سبعين سنة ثم زدت حرفا واحدا فشبهتها بالغول التي تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها.

15

وحدث أن علي بن الفضيل بكى يوما فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي على من ظلمني إذا وقف غدا بين يدي الله تعالى ولم يكن له حجة.

16

وحدث أن مالك بن دينار قال: قرأت في بعض الكتب:

يا معشر الظلمة! لا تجالسوا أهل الذكر فإنهم إذا ذكروني ذكرتهم برحمتي، وإذا ذكرتموني ذكرتكم بلعنتي.

16

وحدث أن أبا سليمان الداراني قال: لما دخل إخوة يوسف عليه عرفهم ولم يعرفوه، وكان على وجهه برقع، فخلا بكبيرهم وكان ابن خالته فقال له: بم أوصاك أبوك؟ قال: بأربع. قال: وما هن؟ قال: يا بني لا تتبع هواك فتفارق إيمانك، فإن الإيمان يدعو إلى الجنة، والهوى يدعو إلى النار، ولا تكثر منطقك بما لا يعنيك فتسقط من عينه، ولا تسئ بربك الظن فلا يستجيب لك، ولا تكن ظالما فإن الجنة لم تخلق للظالمين.

17

وحدث أن بعض الجزارين بالقيروان أضجع كبشا ليذبحه فتخبط بين يديه وأفلت منه وذهب، فقام الجزار يطلبه وجعل يمشي إلى أن دخل خربة فإذا فيها رجل مذبوح يتخبط في دمه ففزع وخرج هاربا وإذا الشرطة عندهم خبر القتيل وجعلوا يطلبون خير القاتل والمقتول، فأصابوا بيده السكين وهو ملوث بالدم والرجل مقتول بالخربة، فقبضوا عليه وحملوه إلى السلطان، فقال له: أنت قتلته الرجل؟ قال: نعم! فما زالوا يستنطقونه وهو يعترف اعترافا لا إشكال فيه، فأمر السلطان بقتله، واجتمع الناس ليروا مصير الجزار، فلما هموا بقتله اندفع رجل من المجتمعين وقال: لا تقتلوه، أنا قاتل القتيل. فقبض عليه وحمل إلى السلطان فاعترف وقال: أنا قتلته. فقال له السلطان: كنت معافى من هذا، فما حملك على الاعتراف؟ قال: رأيت هذا الرجل يقتل ظلما؛ فكرهت أن ألقى الله تعالى بدم رجلين! فأمر به السلطان فقتل، ثم قال للمتهم: أيها الرجل، ما دعاك إلى الاعتراف بالقتل وأنت بريء؟ فقال الجزار: ما حيلتي؟ رجل مقتول بالخربة وأخذوني وأنا خارج من الخربة وبيدي السكين ملطخة بالدم، فإن أنكرت فمن يقيلني؟ وإن اعتذرت فمن يعذرني؟ فخلى سبيله وانصرف مكرما.

18

شراب الشاي في البيئات الصوفية

والغرض من اهتمامنا بالنص على قيمة هذه الأخبار هو التنبيه إلى قيمتها الأدبية، ففيها صور وأخيلة وتعابير لا تصدر إلا عن أقلام الفحول.

وفيها كذلك معان سامية، وهي تصور كثيرا من الجوانب في المجتمع الإسلامي.

وإذا صح أن النزعة العامية تغلب على أكثر تلك الأخبار فذلك لا يغض من قيمتها الأدبية؛ لأنها في الأغلب تصدر عن الفطرة، وما توحي به الفطرة أعمق أثرا مما يخلق التنميق والتحبير والتزيين.

وقد تفرد الأدب العربي أو كاد بالوقوف عند آثار الأدباء الذين اتخذوا الأدب صناعة، فليكن في هذا الفصل تذكير بأدب الفطرة، وهو أحيانا أقوى من أدب الذكاء.

هذا جانب من أخبار الصوفية يراد به الترغيب في طيبات الأعمال، وهناك جانب آخر أراد به كاتبوه أن يغضوا من أقدار الصوفية، وهو جانب مهم من الوجهة الأدبية؛ لأنه اهتم بتقييد ما رمي به الصوفية من المآثم والعيوب، والذين كتبوا في ذم الصوفية أتوا بالغرائب والأعاجيب؛ لأن السخرية من الصالحين والزاهدين أو أدعياء الصلاح والزهد تجد مجالا إلى أنفس القارئين والسامعين، وتصوير مآثم المتخشعين له مذاق خاص؛ لأنه يزاوج بين وجهين مختلفين من وجوه السلوك.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٠٦