تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

كيف اهتدى الصوفية إلى أكل الحشيش

وقد يروي ابن عربي بعض أشعاره، وأكثرها من طراز المنظومات التي تحدثنا عنها من قبل، ولكن قد تظهر عليه النفحة الشعرية كأن يقول:

أطارح كل هاتفة بأيك

على فنن بأفنان الشجون

فتبكي إلفها من غير دمع

ودمع العين يهمل من جفوني

أقول لها وقد سمحت جفوني

بأدمعها تخبر عن شئوني

أعندك بالذي أهواه علم

وهل قالوا

8

بأفياء الغصون

9

وكأن يقول:

بأبي من ذبت فيه كمدا

بأبي من مت منه فرقا

حمرة الخجلة في وجنته

وضح الصبح يناغي الشفقا

كلما صنت تباريح الهوى

فضح الدمع الجوى والأرقا

غرام الشعراء بمدح الحشيش

وقد يحدثنا عن بعض ما رآه من أحوال القوم كأن يقول: كان عندنا بأشبيلية رجل عابد، حسن الصوت، كثير الاجتهاد، سريع الدمعة، دائم العبرة، كثير التفكر والتهجد، بت معه ليالي عدة فلم يكن يفتر، فربما أسمعه بعض الأحايين ينشد بصوت طيب غرد، ودموعه تتحدر على خديه:

قطع الليل رجال

ورجال وصلوه

رقدوا فيه أناس

وأناس سهروه

لا يميلون إلى النو

م ولا يستعذبوه

فكأن النوم شيء

لم يكونوا يعرفوه

لبسوا ثوبا من الخد

مة حتى خلعوه

مع جلباب من الحز

ن فما إن نزعوه

10

وقد ينقل بعض الدقائق الصوفية، كأن يروي أن أبا مدين سئل عن معنى الوصول فأجاب: إذا دلك به عليه كنت منه وإليه، وإذا أفناك عن الإحساس كنت في حضرة الإيناس، وإذا كاشفك بحبه لم تتلذذ إلا بقربه، وإذا غيبك عن شهودك تجلى لك من وجودك.

11

وقد اهتم ابن عربي برواية أخبار الجن، وكانت للجن أخبار كثيرة، فقد زعم العرب في جاهليتهم وإسلامهم أنهم عرفوهم وصادقوهم وحاربوهم وهذا باب من الأساطير كان له في الأدب أثر جميل.

حدث ابن عربي بسنده قال: كانت امرأة من الجن في الجاهلية تسكن ذا طوى،

12

وكان لها ابن لم يكن لها ولد غيره، وكانت تحبه حبا شديدا، وكان شريفا في قومه، فتزوج وأتى زوجته، فلما كان يوم سابعه قال لأمه: يا أماه، إني أحب أن أطوف بالكعبة سبعا نهارا. فقالت له أمه: أي بني، إني أخاف عليك سفهاء قريش. فقال: لا، وأرجو السلامة. فأذنت له، فولى في صورة جان، فلما أدبر جعلت تعوذه وتقول:

أعيذه بالكعبة المستوره

ودعوات ابن أبي محذوره

وما تلا محمد من سوره

إني إلى حياته فقيره

وإنني بعيشه مسروره

فمضى الجان نحو الطواف فطاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام ركعتين، ثم أقبل منقلبا، حتى إذا كان ببعض دور بني سهم عرض له شاب من بني سهم أحمر أكشف أزرق أحول أعسر فقتله، فثارت بمكة غبرة لم تبصر لها الجبال؛ وإنما تثور تلك الغبرة عند موت عظيم من الجن، فأصبح من بني سهم على فرشهم موتى كثير من قبل الجن، فكان فيهم سبعون شيخا أصلع سوى الشباب، فنهضت بنو سهم وحلفاؤهم ومواليها وعبيدها فركبوا الجبال والشعاب بالتثنية فما تركوا حية ولا عقربا ولا خنفساء ولا شيئا من الهوام يدب على وجه الأرض إلا قتلوه، وأقاموا على ذلك ثلاثا، فسمع في الليلة الثالثة على أبي قبيس هاتف يهتف بصوت جهوري يسمع بين الجبلين: يا معشر قريش! الله! الله! فإن لكم أحلاما وعقولا، اعذرونا اعذرونا من بني سهم، فقد قتلوا منا أضعاف ما قتلنا منهم، ادخلوا بيننا وبينهم بصلح نعطهم ويعطونا العهد والميثاق ألا يعود بعضنا لبعض بسوء أبدا، ففعلت ذلك قريش واستوثقوا لبعضهم من بعض. فسميت بنو سهم العياطلة قتلة الجن.

13

والقصة كما رواها ابن عربي تشهد بأن الجنية تعوذت بما تلا محمد من سورة مع أنها كانت في الجاهلية.

والمهم هو أن ننص على أن ابن عربي يرى من واجب «الأخيار والأبرار» أن يطلعوا على كل شيء، حتى أخبار الجن والشياطين.

وكتاب ابن عربي هذا في غاية من النفاسة، من حيث تصويره لعقليات القدماء.

وهناك كتاب نفيس للطرطوشي اسمه «سراج الملوك» وهو يفيض بأخبار الزهاد والنساك، وما يجب أن يطلع عليه من يحرصون على صفاء القلوب.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٠٥