تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد لخصنا سيرة هذا الرجل من الخطط المقريزية،

2

وهي تشهد بأنه كان من القائمين بخدمة المجتمع، وتصوره بعيدا كل البعد من الفضول.

وما نقول: بأن سيرته نموذج يحتذى في جميع الأحوال، وإنما يهمنا أن ننص على هذه «الفاعلية» في حياة رجل يزاوج بين الدنيا والدين، ويترك ما يتسم به المتصوفون من الشارات والتقاليد.

ويروقنا من حياة هذا الرجل فراره من التدخل في شئون الناس، فما كان يحضر السماع ولا ينكر على من يحضر السماع، وكان ينتظر أن يفقه الناس بأبصارهم لا بأسماعهم، وكان ينكر أن يتوجه الرجل إلى ربه بالسؤال وعنده شيء.

وقد صارت شخصية هذا الرجل شخصية شعبية فدخلت كنيته «أبو المعاطي» في الأشعار التي تغنى على الربابة حين تحتاج القصة إلى حيلة في الجمع بين الحبيب والمحبوب.

3

محاضرة الأبرار

وقد كثر التأليف في أخبار الصوفية ونوادرهم وأطايبهم، ويكفي أن نذكر بعض الشواهد من كتاب ابن عربي الذي سماه «محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار»، وهو كتاب طريف لم يقف فيه المؤلف عند أخبار الصوفية وإنما جعله مرجعا للنوادر التي يحسن أن يطلع عليها الصوفية.

وفي هذا الكتاب حوار بين أتباع الإسلام وأتباع النصرانية،

4

وهو حوار يقوم على أساس العقل والمنطق ويشهد بأن واضعه كان من حكماء المسلمين، وهو يمثل ميل الصوفية إلى نقد المذاهب الدينية، وقد جاء فيه:

إن كنتم عبدتم عيسى بن مريم؛ لأنه لا أب له فضموا آدم مع عيسى حتى يكون لكم إلهان اثنان؛ وإن كنتم عبدتموه لأنه أحيا الموتى فهذا حزقيل مر بميت تجدونه في الإنجيل لا تنكرونه فدعا الله عز وجل حتى أحياه له فكلمه؛ فضعوا حزقيل مع عيسى وآدم حتى يكون لكم ثلاثة آلهة؛ وإن كنتم إنما عبدتموه لأنه أراكم المعجزات فهذا يوشع بن نون قاتل قومه حتى غربت الشمس فقال لها: ارجعي بإذن الله فرجعت اثني عشر برجا؛ فضموا يوشع أيضا إلى عيسى فيكون رابع أربعة؛ وإن كنتم إنما عبدتموه لأنه عرج به إلى السماء فمن ملائكة الله عز وجل مع كل نفس اثنان بالليل واثنان بالنهار يعرجون إلى السماء.

وابن عربي له في المسيح رأي عرضناه في هذا الكتاب من قبل، وهو لا يسوق القصة بما يخالف أو يوافق ذلك الرأي، وإنما يسوقها وهو يفهم أنها لون من الثقافة الأدبية.

5

سراج الملوك

ومن نوادر ذلك الكتاب ما حدث المؤلف بسنده قال: سمعت أبا يحيى مالك بن دينار يقول:

أتيت القبور فناديتها

فأين المعظم والمحتقر

وأين المدل بسلطانه

وأين العزيز إذا ما قدر

وأين الملبى إذا ما دعا

وأين العزيز إذا ما افتخر

قال: فهتف بي هاتف يقول:

تفانوا جميعا فما مخبر

وبادوا جميعا وباد الخبر

تروح وتغدو بنات الثرى

فتمحو محاسن تلك الصور

فيا سائلي عن أناس مضوا

أما لك فيما مضى معتبر!

قيمة الأقاصيص الصوفية من الوجهة الأدبية

وقال ابن عربي: غضب السلطان على جماعة من العلماء خرجوا عليه ووقعوا فيه، فلما ظفر بهم أمر بقتلهم، فبلغ الخبر شيخنا أبا مدين - رحمه الله - وكان مرعي الجانب عند السلطان والخاصة والعامة فأخذ عصاه وخرج، فلما جاء دار السلطان أبصر القوم على تلك الحالة فبكى، وأخبر السلطان بمكانه فتلقاه وقال: ما جاءنا بالشيخ في هذا الوقت؟ فقال : الشفاعة في هؤلاء. فقال السلطان: أوما تعرف يا شيخ إساءتهم؟ فقال: وهل على المحسنين من سبيل؟ وهل الشفاعة إلا في أهل الكبائر من المسيئين؟ فاستعبر السلطان وعفا عن الجميع.

6

ما كتب في تجريح الصوفية

وحدث أن الأصمعي قال: بينما أطوف بالبيت إذ بجارية متعلقة بأستار الكعبة وهي تنشد:

يا رب إنك ذو من ومغفرة

دارك بعفوك أرواح المحبينا

الذاكرين الهوى ليلا إذا هجعوا

والنائمين على الأيدي مكبينا

يا رب كن لهم عونا إذا ظلموا

واعطف بقلب الذي يهوون آمينا

قال: فقلت: يا جارية؟ أفي هذا المقام وحول هذا البيت الحرام تذكرين الهوى؟ قالت: أو تعرف الهوى؟ قلت: وأنت تعرفينه؟ قالت: بليت به صغيرة وأحطت به خبرا كبيرة. قلت: صفيه لي. قالت: جل أن يخفى، ودق أن يرى، فهو كامن كمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٠٤