تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتشهد هذه الأخبار بأن «المجاذيب» كان لهم شأن في تربية المجتمع، وكان فيهم رجال يسوسون العقول والنفوس، ويضربون لمريديهم أحسن الأمثال.

حياة فاتح بن عثمان

جامع أبي المعاطي في دمياط، وكان خلوة صوفية.

ومن شواهد ذلك أخبار فاتح بن عثمان التكروري، وهو رجل قدم من مراكش إلى دمياط على قدم التجريد، وسقى بها الماء في الأسواق احتسابا من غير أن يتناول من أحد شيئا، ونزل في ظاهر الثغر ولزم الصلاة مع الجماعة وترك الناس جميعا، ثم أقام بناحية تونة من بحيرة تنيس، ورم مسجدها، ثم انتقل من تونة إلى جامع دمياط وأقام في وكر بأسفل المنارة من غير أن يخالط أحدا إلا عند الصلاة، وقد اهتم بترميم جامع دمياط وتنظيفه بنفسه وساق الماء إلى صهاريجه، وبلط صحنه، وسبك سطحه بالجبس، ورتب فيه إماما يصلي الخمس، وسكن في بيت الخطابة، وواظب على إقامة الأوراد به، وجعل فيه قراء يتلون القرآن بكرة وأصيلا، وكان يقول:

لو علمت بدمياط مكانا أفضل من الجامع لأقمت به، ولو علمت في الأرض بلدا يكون فيه الفقير أخمل من دمياط لرحلت إليه وأقمت به.

وكان إذا ورد عليه أحد من الفقراء ولا يجد ما يطعمه باع من أثوابه ما يضيفه به، وكان يبيت ويصبح وليس له معلوم ولا ما تقع عليه العين أو تسمعه الأذن، وكان يؤثر في السر الفقراء والأرامل، ولا يسأل أحدا شيئا، ولا يقبل غالبا، وإذ قبل ما يفتح الله عليه آثر به، وكان يبذل جهده في كتم حاله والله تعالى يظهر خيره وبركته من غير قصد منه لذلك. وكان سلوكه على طريق السلف من التمسك بالكتاب والسنة والنفور عن الفتنة وترك الدعاوى واطراحها وستر حاله والتحفظ في أقواله وأفعاله، وكان لا يرافق أحدا في الليل، وأشير عليه بالزواج فتزوج في آخر عمره بامرأتين لم يدخل على واحدة منهما نهارا، ولا أكل عندها ولا شرب قط، وكان ليله ظرفا للعبادة لكنه يأتي إليهما أحيانا وينقطع أحيانا لاستغراق زمنه في القيام بوظائف العبادة وإيثار الخلوة، وكان خواص خدمه لا يعلمون صومه من فطره، وإنما يحمل إليه ما يأكل ويوضع عنده بالخلوة فلا يرى قط آكلا، وكان يتواضع مع الفقراء ويتعاظم على العظماء والأغنياء، وكانت تلاوته لللقرآن بخشوع وتدبر، ولم يعمل له سجادة قط، ولا لبس طاقية، ولا قال: أنا شيخ ولا أنا فقير، ولا حضر قط سماعا، ولا أنكر على من يحضره. وكان يقول: ما أقول لأحد: افعل أو لا تفعل، من أراد السلوك يكفيه أن ينظر إلى أفعاله فإن من لم يتسلك بنظره لا يتسلك بسمعه.

1

وقال له شخص من خواصه: يا سيدي، ادع الله لنا أن يفتح علينا فنحن فقراء. فقال: إن أردتم فتح الله فلا تبقوا في البيت شيئا ثم اطلبوا فتح الله بعد ذلك. فقد جاء: لا تسأل الله ولك خاتم من حديد. ومن كلامه:

الفقير بحال البكر، فإذا سأل زالت بكارته.

وسأله بعض خواصه أن يدعو له بسعة وشكا إليه الضيق؛ فقال: أنا ما أدعو لك بسعة بل أطلب لك الأفضل والأكمل. وكان على استغراق أوقاته في العبادة لا يغفل عن صاحبه ولا ينسى حاجته ويلازم الوفاء لأصحابه ويحسن معاشرتهم ويعرف أحوال الناس على اختلاف طبقاتهم، ويعظم أهل العلم، ويكرم الأيتام ويشفق على الضعفاء والأرامل، ويبذل شفاعته في قضاء حوائج الخاص والعام من غير أن يمل أو يتبرم بذلك، ويكثر من الإيثار في السر ولا يمسك لنفسه شيئا، ويستقل ما يعطي مع كثرة إحسانه، ويستكثر ما يدفع إليه وإن كان يسيرا ويكافئ عليه بأحسن منه، ولم يصطحب قط أميرا ولا وزيرا، ومن دعائه لنفسه ولمن يسأل له الدعاء:

اللهم بعدنا عن الدنيا وأهلها وبعدها عنا.

وما زال على ذلك إلى أن مات في صباح اليوم الثامن من ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وست مئة، وترك ولدين ليس لهما قوت ليلة، وعليه مبلغ ألفي درهم دينا.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٠٣