تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والشاعر يحدثنا أن الرهبان هموا بشرب تلك الخمر، خمر الحقيقة، وهذا حق فقد كان الصوفية يرون الرهبان أئمة التنسك لو صح لهم دين، وقد وردت كلمة «راهب» في مقام التعظيم في قول الرشيد: «كان أبو العباس عيسى بن علي راهبنا وعالمنا أهل البيت».

18

وابن الفارض يمضي فيقول:

وعندي منها نشوة قبل نشأتي

معي أبدا تبقى وإن بلي العظم

وهذه النشوة التي سبقت الوجود ليست كتلك النشوة التي وقعت في قول أحد المتحذلقين:

أسكر بالأمس إن عزمت على الشر

ب غدا إن ذا من العجب

وإنما هي نشوة من يؤمن بخلود الروح ويعتقد أن لها نشوات قدسية قبل الخلق وبعد الموت.

فلا عيش في الدنيا لمن عاش صاحيا

ومن لم يمت سكرا بها فاته الحزم

على نفسه فليبك من ضاع عمره

وليس له فيها نصيب ولا سهم

19

ولا يسع من يهتم بدرس ابن الفارض أن يغفل التائية الكبرى، وهي في نحو ست مئة بيت، وقد نظمها تحت وحي التصوف، وهي قصيدة يغلب عليها التكلف، وفيها مع ذلك مواقف مضمخة بعبير الروح، كأن يقول:

وما ظفرت بالود روح مراحة

ولا بالود نفس صفا العيش ودت

وأين الصفا هيهات من عيش عاشق

وجنة عدن بالمكاره حفت

وكأن يقول في خطاب الحقيقة السرمدية:

وعن مذهبي في الحب ما لي مذهب

وإن ملت يوما عنه فارقت ملتي

ولو خطرت لي في سواك إرادة

على خاطري سهوا قضيت بردتي

لك الحكم في أمري فما شئت فاصنعي

فلم تك إلا فيك لا عنك رغبتي

20

والمتأمل في شعر ابن الفارض من الوجهة الفنية يراه تأثر بعض التأثر باللغة المصرية، فهو يجمع الفعل حين يكون الفاعل جمعا، وذلك معروف عن المصريين في لغة التخاطب، وإن كان لا يفعل ذلك إلا حين تقهره ضرورة شعرية.

وبمناسبة مصر نذكر أنها لا تمر في شعره إلا قليلا، فقد كان هواه كله في الحجاز، وأظهر موضع مر فيه اسم مصر هو قوله في التشوق إلى أهل نجد:

يا أهل ودي هل لراجي وصلكم

طمع فينعم باله استرواحا

مذ غبتم عن ناظري لي أنة

ملأت نواحي أرض مصر نواحا

وإذا ذكرتكم أميل كأنني

من طيب ذكركم سقيت الراحا

وإذا دعيت إلى تناسي عهدكم

ألفيت أحشائي بذاك شحاحا

ومؤرخو الأدب العربي لا يرون ابن الفارض من الفحول، وفي ظني أن سيفكر فيه ناس بعد قراءة هذا البحث؛ على أن ابن الفارض لا ينتظر أن يحييه المؤرخون، فقد حيي على ألسنة الجماهير حياة قوية، ولا أزال أذكر كيف كان يحتشد الناس في بيت الصواف بحي سيدنا الحسين؛ ليسمعوا الشيخ حسن الحويحي، وهو يتغنى بهذه الأبيات:

ما بين معترك الأحداق والمهج

أنا القتيل بلا إثم ولا حرج

ودعت قبل الهوى روحي لما نظرت

عيناي من حسن ذاك المنظر البهج

لله أجفان عين فيك ساهرة

شوقا إليك وقلب بالغرام شج

عذب بما شئت غير البعد عنك تجد

أو في محب بما يرضيك مبتهج

وخذ بقية ما أبقيت من رمق

لا خير في الحب إن أبقى على المهج

وقصيدة «ته دلالا فأنت أهل لذاكا» يسمعها الجمهور في «أسطوانة» للشيخ علي محمود، ولا تزال قصائد ابن الفارض متعة السامرين في سهرات الصوفية.

وقد اهتم رجال من المؤلفين المشهورين بدرس ديوانه وشرحه، وفي ذلك الحياة كل الحياة.

كل شيء حي في ابن الفارض حتى قبره، وقد زرته مرة فرأيته مزدحما بأفواج المبتهلين، والمحبون لا تهجر قبورهم في جميع الأحيان.

| أخبار الصوفية

مطالعات من الأدب الطريف

في اللغة العربية نوع طريف من الأدب الذي يشوق العقول، ويرهف العزائم، ويحيي الوجدان، وهو أخبار الصوفية.

وهذا النوع من الأدب له نماذج كثيرة في اللغة العربية، ويرتاح إليه أهل الجد كما يرتاح أهل الهزل إلى أخبار الماجنين.

وكان لهذا النوع من الأدب تأثير شديد في توجيه القلوب والعقول إلى الخير والسداد، وكان له في مجالس الوعظ جاذبية قوية تحول تلك المجالس إلى أندية أدبية خفيفة الظل والروح.

ويمتاز هذا النوع من الأدب بما فيه من روعة الخيال، فأكثر أخبار الصوفية موشاة بالمبتكر الطريف من صور الحياة والناس، وما فيها من المغالاة والإغراب ليس إلا شاهدا على قوة التزويق والتلوين.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٠٢