تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولننظر لوعة الوجد في ختام هذا القصيد، وهي تمثل ذلك المعنى أصدق تمثيل:

ترى مقلتي يوما ترى من أحبهم

ويعتبني دهري ويجتمع الشمل

16

وما برحوا معنى أراهم معي فإن

نأوا صورة في الذهن قام لهم شكل

فهم نصب عيني ظاهرا حيثما سروا

وهم في فؤادي باطنا أينما حلوا

لهم أبدا مني حنو وإن جفوا

ولي أبدا ميل إليهم وإن ملوا

والصبابة الصادقة تواجه من يقرأ ديوان ابن الفارض في مواضع كثيرة، برغم ما يقع فيه أحيانا من التعمل والإسفاف، وأكثر الناس يعرفون الفائية التي يستهلها بهذا الابتهال:

قلبي يحدثني بأنك متلفي

روحي فداك عرفت أم لم تعرف

لم أقض حق هواك إن كنت الذي

لم أقض فيه أسى ومثلي من يفي

ما لي سوى روحي وباذل نفسه

في حب من يهواه ليس بمسرف

فلئن رضيت بها فقد أسعفتني

يا خيبة المسعى إذا لم تسعف

ومن هذا الباب قصيدته الميمية التي يشرح فيها كيف طاب له الافتضاح ولذ له الاطراح، وكيف رضي بالذلة بعد العزة، وحلا له التهتك وخلع العذار وارتكاب الآثام بعد النسك والتقوى، إلى أن يقول:

أصلي فأشدو حين أتلو بذكرها

وأطرب في المحراب وهي إمامي

وبالحج إن أحرمت لبيت باسمها

وعنها أرى الإمساك فطر صيامي

أروح بقلب بالصبابة هائم

وأغدو بطرف بالكآبة هام

وفي كل عضو في كل صبابة

إليها وشوق جاذب بزمامي

ولو بسطت جسمي رأت كل جوهر

به كل قلب فيه كل غرام

ولما تلاقينا عشاء وضمنا

سواء سبيلي دارها وخيامي

وملنا كذا شيئا عن الحي حيث لا

رقيب ولا واش بزور كلام

فرشت لها خدي وطاء على الثرى

فقالت: لك البشرى بلثم لثامي

فما سمحت نفسي بذلك غيرة

على صونها مني لعز مرامي

وبتنا كما شاء اقتراحي على المنى

أرى الملك ملكي والزمان غلامي

وهذا المنظر بعينه مر في قصيدة للشريف الرضي، وكلا الشاعرين يتحدث عن العفاف. أما الشريف فيذكر أنه قضى الليل مع محبوبته في عناق عفيف:

بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى

يلفنا الشوق من فرع إلى قدم

وبيننا عفة بايعتها بيدي

على الوفاء بها والرعي للذمم

17

أما ابن الفارض فقد اقترح أن يبيتا على المنى، وتلك أقصى غاية العفاف.

ومن أهم قصائد ابن الفارض قصيدة «شربنا على ذكر الحبيب»، وهي قصيدة رمزية بلا جدال، والخمر فيها خمر الحقيقة التي شغفت الصوفية، وملأت قلوبهم بألحان الوجد والحنين.

ومن أجل هذا نرى مبالغاته مقبولة كل القبول حين يصف تلك الخمر بالقدرة على كل شيء:

وإن خطرت يوما على خاطري امرئ

أقامت به الأفراح وارتحل الهم

ولو نظر الندمان ختم إنائها

لأسكرهم من دونها ذلك الختم

ولو نضحوا منها ثرى قبر ميت

لعادت إليه الروح وانتعش الجسم

ولو طرحوا في فيء حائط كرمها

عليلا وقد أشفى لفارقه السقم

ولو قربوا من حانها مقعدا مشى

وتنطق من ذكرى مذاقتها البكم

ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبها

وفي الغرب مزكوم لعاد له الشم

ولو خضبت من كأسها كف لامس

لما ضل في ليل وفي يده النجم

ولو جليت سرا على أكمه غدا

بصيرا ومن راووقها تسمع الصم

ولو أن راكبا يمموا ترب أرضها

وفي الركب ملسوع لما ضره السم

ولو رسم الراقي حروف اسمها على

جبين مصاب جن أبرأه الرسم

وفوق لواء الجيش لو رقم اسمها

لأسكر من تحت اللوا ذلك الرسم

وهذه الخمر العالية هي خمر الحقيقة، هي الذات الإلهية التي تقول للشيء: كن فيكون.

يقولون لي: صفها فأنت بوصفها

خبير، أجل! عندي بأوصافها علم

صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا

ونور ولا نار وروح ولا جسم

تقدم كل الكائنات حديثها

قديما ولا شكل هناك ولا رسم

وهل في عالم المعاني أدق وأبره من هذا الالتفاف الطريف؛ إذ يقول هذا الشاعر النشوان:

وقالوا: شربت الإثم، كلا وإنما

شربت التي في تركها عندي الإثم

هنيئا لأهل الدير كم سكروا بها

وما شربوا منها ولكنهم هموا

وهذا البيت يعين أنها خمر الحقيقة، ولو أراد خمر أبي نواس لما صح له أن ينكر شرب الرهبان من تلك الراح، وكيف والرهبان كانوا سادة الشاربين، وإلى دياراتهم كان يحج عشاق الرحيق!

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٠١