يوم راهنت في البكاء عيونا
فتقدمت في عنان السباق
أمنع القلب أن يذوب ومن يمن
ع جمر الغضى عن الإحراق
رب يوم لنا رقيق حواشي الله
و حسنا جوال عقد النطاق
قد لبسناه وهو من نفحات ال
مسك درع الجيوب درع التراقي
وما أوجع قول ابن الرومي في البكاء على لياليه الخوالي:
أأيام لهوي هل مواضيك عود
وهل لشباب ضل بالأمس منشد
رزئت شبابي عودة بعد بدأة
وهن الرزايا بادئات وعود
سلبت سواد العارضين وقبله
بياضهما المحمود إذ أنا أمرد
وبدلت من ذاك البياض وحسنه
بياضا ذميما لا يزال يسود
لشتان ما بين البياضين: معجب
أنيق ومنشوء إلى العين أنكد
وكنت جلاء للعيون من القذى
فقد جعلت تقذي بشيبي وترمد
هي الأعين النجل التي كنت تشتكي
مواقعها في القلب والرأس أسود
فما لك تأسى الآن لما رأيتها
وقد جعلت مرمى سواك تعمد
تشكى إذا ما أقصدتك سهامها
وتأسى إذا نكبن عنك وتكمد
كذلك تلك النبل من وقعت به
ومن صرفت عنه من القوم مقصد
إذا عدلت عنا وجدنا عدولها
كموقعها في القلب بل هو أجهد
وبيضاء يخبو درها من بياضها
ويذكو له ياقوتها والزبرجد
إذا ما التقى السكران: سكر شبابها
وأكوابها، كادت من اللين تعقد
لهوت بها ليلا قصيرا طويله
وما لي إلا كفها متوسد
وكم مثلها من ظبية قد تفيأت
ظلالي وأغصان الشبيبة ميد
| ليالي سنتريس
وقد أكثر صاحب البدائع من الحنين إلى سنتريس،
1
وهي مهوى قلبه، ومنية روحه، إذ كانت ملعب صباه، وميدان لهوه، في أيامه السوالف، ولياليه الخوالي!
وانظر كيف يقول:
ليالي النيل واللذات ذاهبة
وجدي عليكن أشجاني فأضناني
لو يرجع الدهر لي منكن واحدة
في سنتريس ويدني بعض خلاني
إذن تبين دهري كيف يرحمني
من ظلم همي ومن عدوان أحزاني
كم ليلة لي بذاك النهر سالفة
قضيتها بين غادات وولدان •••
وذي دلال هو الدنيا وزينتها
يردي الأسود بطرف منه نعسان
كأنما فعل عينيه بعاشقه
فعل المدامة في أعطاف نشوان
شربت من ريقه راحا مشعشعة
بخالص الود لم تمزج بسلوان
وكم حبيب براح الريق أسكرني
وكم جميل بورد الخد حياني •••
يا موقد النار في قلبي مؤججة
وقاطنا بين أنهار وريحان
عرج علي فما نفسي بصابرة
على نواك وما طرفي بوسنان
وإليك قوله من كلمة ثانية:
إيه يا فتنة الوجود سلام
من مشوق متيم القلب عان
لو يشاء الهوى حوتك ضلوع
حائمات على صباك حواني
فارحمي فانيا من الوجد يشقى
بغرام مؤجج غير فان
رنقت ورده الليالي فأمسى
يرقب الصفو من خلال الأماني •••
آه لو يسمح الزمان ونلقى
من طوى قربهم عناد الزمان
وترى سنتريس والدهر غاف
ما قضينا من الليالي الحسان
حين كنا من السرور نشاوى
في نجاة من النوى وأمان
نتساقى الحديث عذبا شهيا
وقطوف المنى رطاب دواني •••
يا خليلي والرفيق معين
أسعفاني ببعض ما تملكان
أبتغي آسيا فقد عيل صبري
من توالي الوجيب والخفقان
أبتغي صاحبا توله قبلي
وشجاه من الجوى ما شجاني
فلقد يسعف الجريح أخاه
ويواسي الزميل في الأحزان
وقد لحن هذه القصيدة البلبل الغريد الشيخ عبد السميع عيسى الباجوري، وما أروع شعر الوجدان إذا غني بمثل صوته العذب الجميل!
| صبا نجد
وما أشوق القلب إلى شميم صبا نجد! فقد حببه إلينا الشعراء حتى لنجد (صردر) يرى المرور بنجد شركا من أشراك الهوى، حين يقول:
النجاء النجاء من أرض نجد
قبل أن يعلق الفؤاد بوجد
إن ذاك الثرى لينبت شوقا
في حشا ميت اللبابات صلد
كم خلي غدا إليه وأمسى
وهو يهذي بعلوة أو بهند
وظباء فيه تلاقي الموالي
والمعادي من الجمال بجند
بشتيت من المباسم يغري
وسقام من المحاجر يعدي
1
وبنان لولا اللطافة ظنت
لجناياتها براثن أسد
وحديث إذا سمعناه لم ند
ر بخمر نضحننا أم بشهد
أنفت من براقع الخز والقز
خدود قد برقعوها بورد
ويقول الطغرائي:
يا حبذا نجد وإعراق الثرى
لدن وأنفاس النسيم رقاق
فهواؤه خصر النسيم وتربه
حالي الأديم وماؤه رقراق
وبساكنيه إن استقربنا النوى
تشفي النفوس وتمسك الأرماق