وقلتم ولم توفوا بصدق حديثكم
ونحن على صدق الحديث الذي قلنا
وكان صخر بن عمرو، أخو الخنساء، يحب سلمى بنت عوف ثم تزوجها؟ وتعاهدا على أن لا يتزوج واحد منهما بعد صاحبه، ثم طعن في أحد الأيام، فمرض سنة كاملة، فقصرت زوجه في السهر عليه، والرفق به. ولا كذلك أمه الرءوم. قالوا: وسمع يوما امرأة تقول لأمه: كيف حال صخر؟ فقالت: نحن بخير ما دمنا نرى وجهه. وسمع أخرى تقول لامرأته كيف حال صخر؟ فقالت: لا حي فيرجى، ولا ميت فينعى! وحكي أنه جلس يوما ليستريح وقد رفع له سجف البيت، فرأى سلمى واقفة تحادث رجلا من بني عمها وقد وضع يده على عجيزتها، فسمعه يقول لها: أيباع هذا الكفل؟ فقالت: عن قريب! فقال صخر لأمه: علي بسيفي، لأنظر هل صدئ أم لا. فأتته به فجرده، وهم بقتل سلمى، فلما دخلت رفع السيف فلم يستطع حمله، فبكى وقال:
أرى أم صخر لا تمل عيادتي
وملت سليمى مضجعي ومكاني
فأي امرئ ساوى بأم حليلة
فلا عاش إلا في شقا وهوان
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه
وقد حيل بين العير والنزوان
وما كنت أخشى أن أكون جنازة
لديك ومن يغتر بالحدثان
ويذكرون أن غسان بن جهضم كان مفتونا بابنة عمه، ثم تزوجها، فلما حضره الموت حلفت لا تتزوج من بعده، ثم حنثت في يمينها، فأنشدها في نومها ليلة الزفاف:
غدرت ولم ترعي لبعلك حرمة
ولم تعرفي حقا ولم تحفظي عهدا
ولم تصبري حولا حفاظا لصاحب
حلفت له يوما ولم تنجزي وعدا
غدرت به لما ثوى في ضريحه
كذلك ينسى كل من سكن اللحدا
ويذكرني هذا الشعر بقول أبي العتاهية:
إذا ما انقضت عني من العيش مدتي
فإن غناء الباكيات قليل
سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي
ويحدث من بعد الخليل خليل
وهذه طبيعة العالم يا صاح، فاقض من أوطارك ما أنت قاض، واترك الوهم للمجانين!
| ميزان الحب1
ميزان الحب فيما يرى جميل أن يهب المحب لمحبوبه دمه وماله، وانظر كيف يقول:
لحا الله من لا ينفع الود عنده
ومن حبله إن مد غير متين
ومن هو ذو لونين ليس بدائم
على ثقة خوان كل أمين
فلو أرسلت يوما بثينة تبتغي
يميني ولو عزت علي يميني
لأعطيتها ما جاء يبغي رسولها
وقلت لها بعد اليمين سليني
سليني مالي يا بثين فإنما
يبين عند المال كل ضنين
فما لك لما خبر الناس أنني
أسأت بظهر الغيب لم تسليني
فأبلي عذرا أو أجيء بشاهد
من الناس عدل أنهم ظلموني
فليت رجالا فيك قد نذروا دمي
وهموا بقتلي يا بثين لقوني
إذا ما رأوني طالعا من ثنية
يقولون من هذا؟ وقد عرفوني!
| الليالي الخوالي
وما أكثر حنين الشعراء إلى الأيام السوالف، والليالي الخوالي!
ويذكرون أن المتوكل أحب أن ينادمه الحسين بن الضحاك؛ ليرى ما بقي من ظرفه وشهوته لما كان عليه، فأحضره وقد كبر وضعف، فسقاه حتى سكر وقال لخادمه شفيع : اسقه! فسقاه وحياه بوردة، وكانت على شفيع أثواب موردة، فمد الحسين يده إلى درع شفيع، فقال المتوكل: أتجس غلامي بحضرتي؟ فكيف لو خلوت به! ما أحوجك يا حسين إلى أدب! وكان المتوكل غمز شفيعا على العبث به، فقال الحسين: يا سيدي! أريد دواة وقرطاسا. فأمر له بهما فكتب:
وكالوردة البيضاء حيا بأحمر
من الورد يسقى في قراطق كالورد
له عبثات عند كل تحية
بكفيه يستدعي الخلي إلى الوجد
تمنيت أن أسقى بكفيه شربة
تذكرني ما قد نسيت من العهد
سقى الله عيشا لم أبت فيه ليلة
من الدهر إلا من حبيب على وعد
فطرب المتوكل لهذا الشعر، وهم بتقديم الغلام إليه، لو كان مما تسمح بمثله النفس!
وانظر ما يقول ابن هانئ في ذكرى أيامه السوالف:
قمن في مأتم على العشاق
ولبسن السواد في الأحداق
وبكين الفراق بالعنم الرط
ب المقنا وبالخدود الرفاق
ومنحن الفراق رقة شكوا
هن حتى عشقت يوم الفراق
ومع الجيرة الذين غدوا دم
ع طليق ومهجة في وثاق
حاربتهم ذوائب الدهر حتى
آذنوا بالفراق قبل التلاقي
ودنوا للوداع حتى ترى الأج
ياد فوق الأجياد كالأطواق