له عنك في الأرض العريضة مذهبا
فعاد إلى أن راجع الوصل صاغرا
وعاد إلى ما تشتهين وأعتبا
ويقول من كلمة ثانية:
كم قد تجرعت من غيظ ومن حرق
إذا تجدد حزن هون الماضي
وكم سخطت وما باليتم سخطي
حتى رجعت بقلب ساخط راضي
ويقول أيضا إبراهيم بن العباس:
لمن لا أرى أعرضت عن كل من أرى
وصرت على قلبي رقيبا لقاتله
أدافعه عن سلوة وأرده
حنينا إلى أوصابه وبلابله
ويقول ابن أذينة:
إن التي زعمت فؤادك ملها
خلقت هواك كما خلقت هوى لها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها
بلباقة فأدقها وأجلها
حجبت تحيتها فقلت لصاحبي
ما كان أكثرها لنا وأقلها
وإذا وجدت لها وساوس سلوة
شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها
ويقرب من هذا المعنى قول صاحب البدائع:
ولما نسيتم ودنا وغرامنا
ولم تحفظوا بعد الفراق لنا عهدا
جعلنا نغض الطرف عنكم وعندنا
من الشوق نار لا نطيق لها وفدا
| غدر الغواني
ولا بد من ذكر شيء مما تألم له الشعراء في حياة الحب، التي طالما يغدر فيها النساء. وإنا لنجد من بينهم من يحسب الغواني جميعا غادرات، ويقول:
فلا تحسبن هندا لها الغدر وحدها
سجية نفس، كل غانية هند
ويقول كثير في السخر من عهود النساء:
ألا إنما ليلى عصا خيزرانة
إذا غمزوها بالأكف تلين
تمتع بها ما ساعفتك ولا تكن
عليك شجا في الحلق حين تبين
وإن هي أعطتك الليان فإنها
لآخر من خلانها ستلين
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها
فليس لمخضوب البنان يمين
وقال الشريف يشكو المطل والتسويف:
يا ظبية البان ترعى في خمائله
ليهنك اليوم أن القلب مرعاك
الماء عندك مبذول لشاربه
وليس يرويك إلا مدمع الباكي
وعد لعينيك عندي ما وفيت به
يا قرب ما كذبت عيني عيناك
أنت النعيم لقلبي والعذاب له
فما أمرك في قلبي وأحلاك
عندي رسائل شوق لست أذكرها
لولا الرقيب لقد بلغتها فاك
هامت بك العين لم تتبع سواك هوى
من علم العين أن القلب يهواك
وإني ليشجيني قوله من كلمة ثانية:
تهفو إلى البان من قلبي نوازعه
وما بي البان بل من داره البان
أسد سمعي إذا غنى الحمام به
كيلا يبين سر الوجد إعلان
ورب دار أوليها مجانبة
وبي إلى الدار أطراب وأشجان
إذا تلفت في إطلالها ابتدرت
للقلب والعين أمواه ونيران
كلم بقلبي أداويه ويقرفه
طول ادكاري لمن لي منه نسيان
1
لا للوائم إقصار بلائمة
عن العميد ولا للقلب سلوان
على مواعيدهم خلف إذا وعدوا
وفي ديونهم مطل وليان
هم عرضوا بوفاء العهد آونة
حتى إذا عذبوني بالمنى خانوا
وابن الرومي يجعل الغدر من طبائع الحسان، إذ يشبههن بالحديقة، تحمل الثمر حينا وتعرى من الورق حينا، وإليك قوله من قصيدة طويلة:
يولين ما فيه أغرام وآونة
يولين ما فيه للمعشوق سلوان
ولا يدمن على عهد لمعتقد
أنى؟ وهن كما شبهن بستان
يميل طورا بحمل ثم يعدمه
ويكتسي ثم يلفى وهو عريان
تغدو الفتاة لها خل فإن غدرت
راحت ينافس فيها الخل خلان
ما للحسان مسيئات بنا ولنا
إلى المسيئات طول الدهر تحنان
وإن تبعن بعهد قلن معذرة
إنا نسينا وفي النسوان نسيان
يكفي مطالبنا بالذكر ناهية
أن اسمنا الغالب المشهور نسوان
لا نلزم الذكر إنا لم نسم به
ولا منحناه بل للذكر ذكران
فضل الرجال علينا أن شيمتهم
جود وبأس وأحلام وأذهان
وأن فيهم وفاء لا نقوم به
ولن يكون مع النقصان رجحان
صدقن ما شئن لكنا تقنصنا
منهن عين تلاقينا وأدمان
2
أنكى وأزكى حريقا في جوانحنا
خلق من الماء والألوان نيران
إذا ترقرقن والإشراق مضطرم
فيهن لم يملك الأسرار كتمان
ماء ونار فقد غادرن كل فتى
لابسن وهو غزير الدمع حران
تخضل منهن عين فهي باكية
ويستحر فؤاد وهو هيمان
وقال فتى في ابنة عمه، وقد تجنت عليه وغدرت به:
أأحبابنا لو تعلمون بحالنا
لما كانت اللذات تشغلكم عنا
تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا
وأبديتم الهجران ما هكذا كنا
وآليتم أن لا تخونوا عهودنا
فقد وحياة الحب خنتم وما خنا
غدرتم ولم نغدر وخنتم ولم نخن
وحلتم عن العهد القديم وما حلنا