رجع اليقين مطامع المتلمس
8
وقد وصف غربته من بعدها فقال:
فجعت بملك وقد أينعت
وتمت فأعظم بها من مصيبة
فأصبحت مغتربا بعدها
وأضحت بحلوان ملك غريبه
أراني غريبا وإن أصبحت
منازل أهلي مني قريبه
عطفت على أختها بعدها
فصادفتها ذات عقل أديبه
فأقبلت أبكي وتبكي معي
بكاء كئيب بحزن كئيبه
وقلت لها مرحبا مرحبا
بوجه الحبيبة أخت الحبيبه
سأصفيك ودي حفاظا لها
فذاك الوفاء بظهر المغيبه
أراك كملك وإن لم تكن
لملك من الناس عندي ضريبه
9
والشعر في بكاء الملاح كثير، ولكن حب الإيجاز يحملنا على الاكتفاء بهذا المقدار، وما هو بالقليل.
| بكاء الحلائل
وأوجع ما يكون بكاء الملاح إذا كن حلائل، والحليلة المعشوقة متاع عزيز، فمن ذلك قول أحد الفتيان في بكاء امرأته، وكان بها من المغرمين:
أطأ التراب وأنت رهن حفيرة
هالت يداي على صداك ترابها
إني لأغدر من مشى إن لم أطأ
بجفون عيني ما حييت جنابها
قال ابن رشيق: ومن جيد ما رثي به النساء وأشجاه، وأشده تأثيرا في القلب، وإثارة للحزن، قول محمد بن عبد الملك الزيات في أم ولده:
ألا من رأى الطفل المفارق أمه
بعيد الكرى عيناه تبتدران
رأى كل أم وابنها غير أمه
يبيتان تحت الليل ينتجيان
وبات وحيدا في الفراش تحثه
بلابل قلب دائم الخفقان
يقول فيها بعد أبيات:
ألا إن سجلا واحدا قد أرقته
من الدمع أو سجلين قد شفياني
فلا تلحياني إن بكيت فإنما
أداوي بهذا الدمع ما تريان
وإن مكانا في الثرى خط لحده
لمن كان في قلبي بكل مكان
أحق مكان بالزيارة والهوى
فهل أنتما إن عجت منتظران
ومن أشجى الشعر رثاء قوله في هذه القصيدة:
فهبني عزمت الصبر عنها لأنني
جليد فمن بالصبر لابن ثمان
ضعيف القوى لا يعرف الأجر حسبة
ولا يأتسي بالناس في الحدثان
ألا من أمنيه المنى وأعده
لعثرة أيامي وصرف زماني
ألا من إذا ما جئت أكرم مجلسي
وإن غبت عنه حاطني ورعاني
ولم أر كالأقدار كيف يصبنني
ولا مثل هذا الدهر كيف رماني
ومن موجع الشعر قول امرأة شريفة ترثي زوجها ولم يكن دخل بها:
أبكيك لا للنعيم والأنس
بل للمعالي والرمح والفرس
أبكي على فارس فجعت به
أرملني قبل ليلة العرس
يا فارسا بالعراء مطرحا
خانته قواده مع الحرس
ما لليتامى إذا هم سغبوا
وكل عان وكل محتبس
وإني لآسف على قلة هذا النوع من الشعر في الآداب العربية، مع أنه من دلائل الوفاء، لو يعلم الشعراء!
| لوعة الشوق
نمتع القارئ في هذا الباب بألوان من سحر الحديث عن تغلغل الشوق في طيات الفؤاد. فمن ذلك قول أحد الشعراء وقد اشتاق إلى أرض جلق، وتمنى لو كحل أجفانه بترابها:
وإن اصطباري عن معاهد جلق
غريب فما أجفى الفراق وأجفاني
سقى الله أرضا لو ظفرت بتربها
كحلت بها من شدة الشوق أجفاني
وقال أبو بكر بن سعادة يتشوق إلى قرطبة:
أقرطبة الغراء هل لي أوبة
إليك وهل يدنو لنا ذلك العهد
سقى الجانب الغربي منك غمامة
وقعقع في ساحات دوحاتك الرعد
لياليك أسحار وأرضك روضة
وتربك في استنشاقه عنبر ورد
وإني ليبكيني قول الشريف:
ذكرت الحمى ذكر الطريد محله
يذاد ذياد العاطشات ويرجع
وأين الحمى لا الدار بالدار بعدهم
ولا مربع بعد الأحبة مربع
سلام على الأطلال لا عن جنابة
ولكن يأسا حين لم يبق مطمع
نشدتكم هل زال من بعد أهله
زرود وهل زالت طلول وأربع
نعم عادني عيد الغرام ونبهت
علي الجوى دار بميثاء بلقع
وطارت بقلبي نفحة غضوية
تنفسها حال من الروض ممرع
نظرت الكثيب الأيمن اليوم نظرة
ترد إلي الطرف يدمى ويدمع
وأيقظت للبرق اليماني صاحبا
بذات النقا يخفى مرارا ويلمع
أأنت معيني للغليل بنظرة
فنبكي على تلك الليالي ونجزع
معاذ الهوى لو كنت مثلي في الهوى
إذن لدعاك الشوق من حيث تسمع
هناك الكرى، إني من الوجد ساهر
وبرء الحشا، إني من البين موجع
فلا لب لي إلا تماسك ساعة
ولا قوم لي إلا النعاس المروع
ألا ليت شعري كل دار مشتة
ألا موطن يدنو بشمل ويجمع