تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله:

كأنك لم تفجع بشيء تعده

ولم تصطبر للنائبات من الدهر

ولم تر بؤسا بعد طول غضارة

ولم ترمك الأيام من حيث لا تدري

سقى جانبي راذان والساحة التي

بها دفنوا ليلى ملث من القطر

ولا زال خصب حيث حلت عظامها

براذان يسقي الغيث من هطل غمر

وإن لم تكلمنا عظام وهامة

هناك وأصداء بقين مع الصخر

وكان لإسحاق الموصلي غلام جميل يقال له زياد، وهو الذي يقول فيه:

إذا ما زياد علني ثم علني

ثلاث زجاجات لهن هدير

خرجت أجر الذيل زهوا كأنني

عليك أمير المؤمنين أمير

ثم مات زياد هذا، فقال إسحاق يبكيه:

فقدنا زيادا بعد طول صحابة

فلا زال يسقي الغيث قبر زياد

ستبكيك كأس لم تجد من يديرها

وظمآن يستبطي الزجاجة صادي

وكان محمد بن مناذر يعشق عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي، وكان عبد المجيد هذا من أجمل الفتيان وآدبهم وأظرفهم، وله مع ابن مناذر حديث طويل ذكره صاحب الأغاني، ثم مات عبد المجيد بعد مرض قصير وهو في سن العشرين، فقال فيه ابن مناذر قصيدة طويلة نختار منها هذه القطعة الباكية:

كل حي لاقى الحمام فمودي

ما لحي مؤمل من خلود

لا تهاب المنون شيئا ولا تب

قي على والد ولا مولود

ولقد تترك الحوادث والأيا

م وهيا في الصخرة الصيخود

4

ولو ان الأيام أخلدن حيا

لعلاء أخلدن عبد المجيد

ما درى نعشه ولا حاملوه

ما على النعش من عفاف وجود

ويح أيد جنت عليه وأيد

دفنته! ما غيبت في الصعيد!

وأرانا كالزرع يحصده الده

ر فمن بين قائم وحصيد

وكأنا للموت ركب مخبو

ن سراعا لمنهل مورود

إن عبد المجيد يوم تولى

هد ركنا ما كان بالمهدود

هد ركني عبد المجيد وقد كن

ت بركن أنوء منه شديد

وبعبد المجيد تامور نفسي

عثرت بي بعد انتعاش جدودي

5

وبعبد المجيد شلت يدي اليم

نى وشلت به يمين الجود

حين تمت آدابه وتردى

برداء من الشباب جديد

فسقاه ماء الشبيبة فاهتز

اهتزاز الغصن الندي الأملود

6

وكأني أدعوه وهو قريب

حين أدعوه من مكان بعيد

فلئن صار لا يجيب لقد كا

ن سميعا هشا إذا هو نودي

يا فتى كان للمقامات زينا

لا أراه في المحفل المشهود

لهف نفسي! أما أراك وما عن

دك لي إن دعوت من مردود

كان عبد المجيد سم الأعادي

ملء عين الصديق رغم الحسود

عاد عبد المجيد رزءا وقد كا

ن رجاء لريب دهر كنود

خنتك الود لم أمت كمدا بع

دك إني عليك حق جليد

لو فدى الحي ميتا لفدت نف

سك نفسي بطارفي وتليدي

ولئن كنت لم أمت من جوى الحز

ن عليه لأبلغن مجهودي

لأقيمن مأتما كنجوم اللي

ل زهرا يقطعن حر الخدود

موجعات يبكين للكبد الحر

ى عليه وللفؤاد العميد

7

ولعين مطروفة أبدا قا

ل لها الدهر لا تقري وجودي

كلما عزك البكاء فأنفد

ت لعبد المجيد سجلا فعودي

لفتى يحسن البكاء عليه

وفتى كان لامتداح القصيد

فبرغمي كنت المقدم قبلي

وبكرهي دليت في الملحود

كنت لي عصمة وكنت سماء

بك تحيا أرضي ويخضر عودي

وأغرم يعقوب بن الربيع بجارية تسمى (ملك) ومكث في طلبها سبع سنين، حتى رق ماله، وجاهه، ثم ملكها، فأقامت عنده ستة أشهر وماتت فقال يبكيها:

لله آنسة فجعت بها

ما كان أبعدها من الدنس

أتت البشارة والنعي معا

يا قرب مأتمها من العرس

يا ملك! نال الدهر فرصته

فرمى فؤادا غير محترس

أبكيك ما ناحت مطوقة

تحت الظلام تنوح في الغلس

وقال فيها:

ليت شعري بأي ذنب لملك

كان هجري لقبرها واجتنابي

ألذنب حقدته كان منها

أم لعلمي بشغلها عن عتابي

أم لأمني لسخطها ورضاها

حين واريت وجهها في التراب

إنما حسرتي إذا ما تذكر

ت عنائي بها وطول طلابي

لم أزل في الطلاب سبع سنين

أتأتى لذاك من كل باب

فاجتمعنا على اتفاق وقدر

وغنينا عن فرقة باصطحاب

أشهرا ستة صحبتك فيها

كن كالحلم أو كلمع السراب

وأتاني منك النعي مع البش

رى فيا قرب أوبة من ذهاب

وما أروع قوله في وصف احتضار هذه الجارية:

حتى إذا فتر اللسان وأصبحت

للموت قد ذبلت ذبول النرجس

وتسهلت منها محاسن وجهها

وعلا الأنين تحثه بتنفس

رجع اليقين مطامعي يأسا كما

مدامع العشاق · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٧٢