تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم أدر أن الحب حومة مأزق

تصلى ولا أن اللواحظ أسلم

وهو مأخوذ بلطف من قول مسلم بن الوليد:

يا واشيا حسنت فينا إساءته

نجى حذارك إنساني من الغرق

إني أصد دموعا لج سائقها

مطروفة العين بالمرضى من الحدق

ويرى القارئ أن أصحاب هذه الأخيلة الشعرية، يرون أن احمرار الدموع إنما هو أثر للحرب القائمة بين عين العاشق وعين المعشوق، فيا لها من حرب شروس تطأ فيها أقدام الجنس اللطيف أعناق الجنس النشيط. وإنا بهذه الهزيمة لفرحون!

وكان عجيبا أن تبيض الدموع بعد احمرارها! وقد رأينا كيف أولوا احمرار الدموع، ولنذكر أن أصدقهم سبط بن التعاويذي حين يقول:

أتبعتهم يوم استقل فريقهم

نظر المشوق وأنة المفجوع

لم تبك يوم فراقهم عيني دما

إلا وقد نزف البكاء دموعي

والآن نريد أن نعرف كيف يتأولون ابيضاض الدموع بعد أن صيرها الحزن حمراء. فمن الشعراء من يرى الدمع الأبيض ماء ورد الخدود التي قطفها بعينيه.

عند الرحيل، كما قال بعض الظرفاء:

كانت دموعي حمرا يوم بينهم

فمذ نأوا قصرتها بعدهم حرقي

قطفت باللحظ وردا من خدودهم

فاستقطر البين ماء الورد من حدقي

ومنهم من جعله شيبا للدموع بعد طول عمر البكاء كقوله:

قالت عهدتك تبكي

دما لطول التنائي

فلم تعوضت عنا

بعد الدماء بماء

فقلت ما ذاك مني

لسلوة وعزاء

لكن دموعي شابت

لطول عمر بكائي

وأشجى منه قول الآخر:

وقائلة ما بال دمعك أبيضا

فقلت لها يا عز هذا الذي بقي

ألم تعلمي أن البكا طال عمره

فشابت دموعي مثلما شاب مفرقي

وعما قليل لا دموعي ولا دمي

ترين ولكن لوعتي وتحرقي

وهذه الأبيات من أكثر الشعر حزنا، وأغزره دمعا، وهل تجد أدعى للشجو والبث من قوله:

فقلت لها يا عز هذا الذي بقي!

ويذكرني هذا بقول الشريف الرضي في إتيان الدموع على العيون، والغليل على الضلوع:

محا بعدكم تلك العيون بكاؤها

وغال بكم تلك الأضالع غولها

فمن ناظر لم يبق إلا دموعه

ومن مهجة لم يبق إلا غليلها

دعوا لي قلبا بالغرام أذيبه

عليكم وعينا في الطلول أجيلها

ويذكر الشعراء أن الدموع حين تبيض بعد احمرارها تكون أرق من الهواء، ولهم في ذلك فنون من القول، وشجون من الحديث، وأجمل ما رأيت في ذلك قول خالد الكاتب في رفق عذاله به، وإسعادهم له:

بكى عاذلي من رحمة فرحمته

وكم مسعد لي في الهوى ومعين

ورقت دموع العين حتى كأنها

دموع دموعي لا دموع جفوني

| عذر أرباب الدموع

لا تعذل المشتاق في أشواقه

حتى يكون حشاك في أحشائه

إن القتيل مبللا بدموعه

مثل القتيل مضرجا بدمائه

نذكر هنا ما يعتذر به الباكون عن بكائهم، وما يحتجون به لدى عذالهم. وهو نوع من الإفصاح عن موجب الدمع، وداعي البكاء. والشعراء فيه رجلان: رجل غلبه الحب، وقهرته الصبابة، فباح بمكنون سره، ومكتوم حبه. ورجل تخوف الرقباء، وتهيب العذال، فأخذ يختلق العلل، وينتحل الأسباب، دفعا لكيد الواشين، ودرءا لعذل اللائمين ... فمن الأول قول البحتري:

سارت مقدمة الدموع وخلفت

حرقا توقد في الحشا ما ترحل

إن الفراق كما علمت فخلني

ومدامعا تسع الفراق وتفضل

إلا يكن صبر جميل فالهوى

نشوان يجمل فيه ما لا يجمل

وحسن البيت الأول في خلود اللوعة، وبقاء الغليل! وهو خير من قول ذي الرمة:

لعل انحدار الدمع يعقب راحة

من الوجد أو يشفي شجي البلابل

والبيت الأخير أروع من قول أبي تمام في نفس المعنى:

والصبر أجمل غير أن تلددا

في الحب أحرى أن يكون جميلا

وقال البحتري في الاعتذار عن البكاء:

لا تلمني على البكاء فإني

نضو شجو ما لمت فيه البكاء

عذلا يترك الحنين أنينا

في هوى يترك الدموع دماء

كيف أغدو من الصبابة خلوا

بعدما راحت الديار خلاء

ومن بديع الاعتذار عن البكاء قول خالد الكاتب:

عش فحبيك سريعا قاتلي

والضنى إن لم تصلني واصلي

ظفر الحب بقلب دنف

فيك والسقم بجسم ناحل

فهما بين اكتئاب وضنى

صيراني كالقضيب الذابل

وبكى العاذل لي من رحمة

مدامع العشاق · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٧