ومنهم من يبكي عند ظهور المعالم، أو مطالعة الرسوم، كما قال ابن الدمينة:
هل الحب إلا زفرة بعد زفرة
وحر على الأحشاء ليس له برد
وفيض دموع العين يا مي كلما
بدا علم من أرضكم لم يكن يبدو
وما كان الحب زفرة ولا عبرة، كما قال ابن الدمينة - ولكنه شيء به الروح تكلف - وما أحسن قول ابن أسباط القيرواني:
قال الخلي الهوى محال
فقلت لو ذقته عرفته
فقال على غير شغل قلب
إن أنت لم ترضه صرفته
وهل سوى زفرة ودمع
إن لم ترد جريه كففته
فقلت من بعد كل وصف
لم تعرف الحب إذ وصفته
ومنهم من يبكي عند الوقوف بالرياض، إذ تذكره رشاقة أغصانها، وحمرة أزهارها، بالقدود الرشيقة، والخدود الوردية، كما قال ابن المعتز:
وقفت بالروض أبكي فقد مشبهه
وقد بكت بدموعي أعين الزهر
لو لم تعرها الجفون الدمع تسفحه
لرحمتي لاستعارته من المطر
وهذا نوع من الإسعاد ما عرفه الناس قبل ابن المعتز فيما أعلم! وإنما كانت تسعد الحمائم ويبكي الرفيق.
3
ومن الشعراء من يبكي عند هبوب النسيم، كما قال بعض الأعراب:
لعمرك ما ميعاد عينيك والبكا
بدراء إلا أن تهب جنوب
أعاشر في (داراء) من لا أحبه
وبالرمل مهجور إلي حبيب
4
إذا هب علوي الرياح وجدتني
كأني لعلوي الرياح نسيب
5
ومنهم من يبكي لبكاء الحمائم، وهو كثير في كلامهم. ولعل من أبدعه وأروعه قول الشبلي يصف شجو حمامة هاجت شجوه:
رب ورقاء هتوف في الضحى
ذات شجو صدحت في فنن
6
ذكرت إلفا وعيشا سالفا
فبكت حزنا فهاجت حزني
فبكائي ربما أرقها
وبكاها ربما أرقني
ولقد تشكو فما أفهمها
ولقد أشكو فما تفهمني
غير أني بالجوى أعرفها
وهي أيضا بالجوى تعرفني
أتراها بالبكا مولعة
أم سقاها البين ما جرعني
وهذه الأبيات من أحسن الشعر تقسيما، وأبرعه تصويرا، ولقد افتتح بها الشيخ على الجارم خطبته في تأبين المرحوم الشيخ حمزة فتح الله فخرج الناس وهم يقدمونه على سائر الشعراء، ظنا منهم أنها له، ولولا الجهل بتاريخ الآداب العربية لما عاش الأحياء على حساب الأموات، من حيث لا يشعر الناس!
ومما ابتدعه المتأخرون في موجب البكاء، ما جعله بعضهم عقابا للعين، جزاء بما أهدت نظراتها للقلب من شجى، والجسم من نحول، فقال:
لأعذبن العين غير مفكر
فيما جرت بالدمع أو سالت دما
ولأهجرن من الرقاد لذيذه
حتى يعود على الجفون محرما
هي أوقعتني في حبائل فتنة
لو لم تكن نظرت لكنت مسلما
سفكت دمي فلأسفحن دموعها
وهي التي بدأت فكانت أظلما
وهو مذهب غريب، يدل على مبلغ صاحبه من إدراك الحسن، وفهم الجمال! وإلا فأي عاشق يذكر جناية النظر عليه، ولا يدعو لعينيه بطول البقاء. ولله در القائل:
قالت أترقد إذ غبنا؟ فقلت لها
نعم، وأشفق من دمعي على بصري
ما حق طرف هداني نحو حسنكم
أني أعذبه بالنوح والسهر
ومنهم من جعل الدمع غسلا للعين مما زنت بالنظر، فقال:
وقائلة ما بال عينك مذ رأت
محاسن هذا الظبي أدمعها هطل
فقلت زنت عيني بطلعة وجهه
فحق لها من فيض مدمعها غسل
وقال الآخر:
إنسانة فتانة
بدر الدجى منها خجل
إذا زنت عيني بها
فبالدموع تغتسل
وهو خيال فقهاء، لا خيال شعراء!
وقد نظر الأرجاني إلى قول أبي تمام:
بسطت إليك بنانة أسروعا
تصف الفراق ومقلة ينبوعا
7
كادت لعرفان النوى ألفاظها
من رقة الشكوى تكون دموعا
فولد منه معنى لطيفا، إذ جعل دموعه عند الفراق، وقد تحدرت كاللآلئ بقية ما نفثه المودعون في آذانه من حديث هو الدر النفيس. وذلك قوله:
لم يبكني إلا حديث فراقهم
لما أسر به إلي مودعي
هو ذلك الدر الذي أودعته
في مسمعي ألقيته من مدمعي •••
أما السبب في احمرار الدموع فلم أجد فيه أبلغ من قول صردر:
حتام أرعى وردة لا تجتنى
في الخد أو تفاحة لا تلثم
أيذاد عن تلك المحاسن ناظري
ويريد مني أن يسوغها الفم
في كل يوم للعيون وقائع
إنسانها الطماح فيها يكلم
لو لم تكن جرحى غداة لقائهم
ما كان يجري من مآقيها الدم