تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبكائي لبكاء العاذل

وهذا معنى جميل، لا ينقص غير القرب من الحقيقة: فقد يندر أن يبكي اللائمون رفقا بالمحب الحزين!

ومما انتحل فيه الشعراء للبكاء أسبابا غير أسبابه قول كثير:

إذا زرفت عيناي أعتل بالقذى

وعزة لو يدري الطبيب قذاهما

وهو نوع من الكتمان يفزع إليه الشعراء عند اليأس من أحبابهم:

يأس يحسن لي التستر فاعلمي

لو كنت أطمع فيك لم أتستر

ومن طريف هذا النوع قول أبي العتاهية يعتذر عن بكائه، وقد استحيا من صديقه:

كم من صديق لي أسا

رقه البكاء من الحياء

فإذا تأمل لامني

فأقول ما بي من بكاء

لكن ذهبت لأرتدي

فطرفت عيني بالرداء

| الاكتفاء بالدموع

هو نوع من القناعة في الحب يكون عند القنوط، ومن جيد الشعر فيه قول بعض الأعراب:

فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها

فلن تمنعوا مني البكا والقوافيا

فهلا منعتم إذ منعتم حديثها

خيالا يوافيني على النأي هاديا

وهى سذاجة طريفة تذكرنا بقول جحدر وهو في السجن:

أليس الليل يجمع أم عمرو

وإيانا فذاك لنا تداني

نعم وأرى الهلال كما تراه

ويعلوها النهار كما علاني

وما الذي يضير أعداء المحب من أن يرى القمر كما تراه، ويعلوها النهار كما علاه، ما داموا قد أبعدوه عنها، وحرموه منها. وقد تنبه بعض الأعراب إلى تفاهة هذه القناعة فقال:

بربك هل ضممت إليك ليلى

قبيل الصبح أو قبلت فاها

وهل رفت عليك فروع ليلى

رفيف الأقحوانة في شذاها

على أنه لا ينبغي ألا ينسينا جمال هذا الخيال ما في شعر جحدر وأمثاله من روعة الصدق، وجلال الوفاء. وماذا عسى أن تكون الصبابة إن لم يصبح البكاء أشهى من الحديث المعسول، حين يغدو المحب ولا أمل له في غير الوجد المشبوب، والدمع المسكوب، والصبر المغلوب!

من أجل هذا نخالف أستاذنا الجليل الشيخ سيد المرصفي، ونرجوه أن يصفح عن إعجابنا بقول قيس بن ذريح في الاكتفاء بدمعه الدائم، وحزنه المقيم:

فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها

مقالة واش أو وعيد أمير

فلن يمنعوا عيني من دائم البكا

ولن يذهبوا ما قد أجن ضميري

إلى الله أشكو ما ألاقي من الهوى

ومن كرب تعتادني وزفير

ومن حرق للحب في باطن الحشا

وليل طويل الحزن غير قصير

سأبكي على نفسي بعين قريحة

بكاء حزين في الوثاق أسير

وكنا جميعا قبل أن تظهري النوى

بأنعم حالي غبطة وسرور

فما برح الواشون حتى بدت لنا

بطون الهوى مقلوبة لظهور

لقد كنت حسب النفس لو دام وصلنا

ولكنما الدنيا متاع غرور

وتمتاز هذه القطعة بتصويرها للنفس الإنسانية أجمل تصوير، وتمثيلها أدق تمثيل. ألم تر إلى الشاعر وقد أوجز في قناعته بالبكاء، ثم انطلق يشكو إلى الله لوعته، وحرقته، ولياليه الطوال! ألم تر إليه وقد كان يحسب الدمع نعمة سابقة يكبت بخلودها الأعداء، فعاد يرى الدمع آية الذل والمسكنة، وآخر ما يفزع إليه الأذلاء المساكين!

| الفزع إلى الدموع

قال أبو بكر بن عياش: نزلت بي مصيبة أوجعتني فذكرت قول ذي الرمة:

لعل انحدار الدمع يعقب راحة

من الوجد أو يشفي شجي البلابل

فخلوت فبكيت فسلوت! ولست أدري كيف تذهب بالوجد زفرة، أو تودي به عبرة، وهو كما قيل:

ظن الهوى لبسة تبلى فيخلعها

فكان في الروح مثل الروح في البدن

وكنت أسمي هذا النوع من الشعر استشفاء بالدموع، وفقا لما يجنح إليه الشعراء، ولكني رأيت أن أسميه «فزعا إلى الدموع» حين تبينت أن الدمع لا يطفئ اللوعة، وأنه نار حامية، لا برد وسلام!

وهل تجد أدعى للبث، وأجلب الحزن، من قول كثير، وقد ترحلت حبيبته:

كفي حزنا للعين أن رد طرفها

لعزة عير آذنت برحيل

وقالوا نأت فاختر من الصبر والبكا

فقلت البكا أشفى إذن لغليلي

توليت محزونا وقلت لصاحبي

أقاتلتي ليلى بغير قتيل

وما اختار البكاء لأنه أشفى للغليل كما قال، ولكنه اختاره ليفر من الصبر الذي رآه مر المذاق! وقد حسب بعض الشعراء أن التفضيل بين الصبر والبكاء مما ينال، وفي ذلك يقول:

مدامع العشاق · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٨