ثم أخذ يخاطب رفيقيه - وقد بالغا في لومه وأطالا في تأنيبه - فقال:
ألا يا خليلي اللذين تواصيا
بلومي إلا أن أطيع وأتبعا
قفا إنه لا بد من رجع نظرة
يمانية شتى بها القوم أو معا
لمغتصب قد عزه القوم أمره
حياء يكف الدمع أن يتطلعا
ثم شرع في تعجيزهم وتيئيسهم فقال:
فإن كنتم ترجون أن يذهب الهوى
يقينا ونروى بالشراب فننقعا
فردوا هبوب الريح أو غيروا الجوى
إذا حل ألواذ الحشا فتمنعا
ومن يستطيع ذلك؟ تالله ما العاذل وإن اشتط في عذله، وبالغ في لومه، بقادر على نسيانك، أو سلوانك:
ظن الهوى لبسة تبلى فيخلعها
فكان في القلب مثل القلب في البدن
ثم عاد إلى رفيقيه يسألهما الإسعاد والإنجاد:
قفا ودعا نجدا ومن حل بالحمى
وقل لنجد عندنا أن يودعا
مسكين! وقل لنجد أن يودع! إذن فما كنت صانعا لو أنصفته؟ أكنت تغرب في البكاء والإعوال حتى يرحمك أعداؤك، ويرثي لك حاسدوك؟ أم كنت تقتل نفسك جوى وحزنا؟ ثم قال:
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربى
وما أجمل المصطاف والمتربعا
وليست عشيات الحمى برواجع
إليك ولكن خل عينيك تدمعا
اتق الله في نفسك يا ابن عبد الله وارحم شبابك وصبرك:
واستبق دمعك لا يودي البكاء به
واكفف مدامع من عينيك تستبق
فما الشئون وإن جادت بباقية
ولا الجفون على هذا ولا الحدق
ثم أخذ يصف موقفه وقد حال (البشر) بينه وبين أحبابه وأوطانه، فقال:
ولما رأيت (البشر) أعرض دوننا
وحالت بنات الشوق يحنن نزعا
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها
عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
وقد رأيت من الأدباء من يستنكر هذا الخيال، وهو عندي من دلائل الوله وعلائم الصبابة المضلة. ثم قال في وصف ما لاقى في تلفته من العنت:
تلفت نحو الحي حتى وجدتني
وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا
وهو معنى جميل نال في هذا البيت حظه من البيان. وقد تبعه الشريف الرضي فأبدع وأجاد في قوله:
ولقد مررت على ديارهم
وربوعها بيد البلى نهب
فوقفت حتى ضج من لغب
نضوى ولج بعذلي الركب
وتلفتت عيني فمذ خفيت
عنى الربوع تلفت القلب
ويمتاز بيت الصمة بتمثيله ما يعرف الناس في مثل هذه المواقف من ظاهر النعب، فأما بيت الشريف فلا يعرف حسنه غير من كابد الشوق وعانى الصبابة. ثم قال الصمة في تتمة الحديث عن جواه:
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني
على كبدي من خشية أن تصدعا
ولم أر هذا المعنى لأحد قبل الصمة، وقد أكمله ابن نباتة السعدي بقوله:
أضم على قلبي يدي مخافة
إذا لاح لي برق من الشرق لامع
وهل ينفع القلب الذي بان إلفه
إذا طار شوقا أن تضم الأضالع
ومن الحنين قول ابن عبد ربه:
ودعتني بزفرة واعتناق
ثم نادت متى يكون التلاقي
وبدت لي فأشرق الصبح منها
بين تلك الجيوب والأطواق
يا سقيم الجفون من غير سقم
بين عينيك مصرع العشاق
إن يوم الفراق أفظع يوم
ليتني مت قبل يوم الفراق
لأن الشاعر قد يرتحل فيأخذ في ذكر المعاهد والعهود، وقد يظعن حبيبه ويقيم، فيأخذ في الإعوال عليه، والحنين إليه، وهناك من غرائب الهوى وعجائب الصبابة حالة ثالثة ليست أقل من سابقتيها جوى وحزنا، بل ربما كانت أكثر حيرة؛ وهي أن يلتقي الركبان وفيهما محب ومحبوب، ثم يفترقان قبل أن يتلاقى الصبان، ويجتمع الخلان، فلا يدري العاشق أي عهد يبكي، وأي حظ يندب، كما لا يعرف أيلوم نفسه لأنه ظعن وترك حبيبه مقيما، أم يشكو دهره لأن حبيبه سار وخلفه، أم يعول إعوالا مبهما لا يعرف مصدره، ولا يفهم مبعثه، والشعر في هذا المعنى أقرب إلى الذكرى منه إلى الحنين، من الجيد فيه قول الأرجاني:
أستودع الله قوما كيف أبعدنا
تقلب الدهر منهم حين أدنانا
زموا الغداة مطاياهم لفرقتنا
لما أنخنا للقياهم مطايانا
لم تشتبك بعد أطناب الخيام لنا
ولا المنازل ضمتهم وإيانا
لكنهم عاجلونا بالنوى ومضوا
وخلفوا الطرب المشتاق حيرانا
لم يملأ العين من أحبابه نظرا
إذ غادر الدمع منه الجفن ملآنا