تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أبكي الذين أذاقوني مودتهم

حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا

واستنهضوني فلما قمت منتصبا

بثقل ما حملوني في الهوى قعدوا

جاروا علي ولم يوفوا بعهدهم

قد كنت أحسبهم يوفون إن وعدوا

لأخرجن من الدنيا وحبكم

بين الجوانح لم يشعر به أحد

حسبي بأن تعلموا أن قد أحبكم

قلبي وأن تسمعوا صوت الذي أجد

ومن حسن الإشارة قول إبراهيم بن المهدي:

يا غزالا لي إليه

شافع من مقلتيه

والذي أجللت خدي

ه فقبلت يديه

بأبي وجهك ما أك

ثر حسادي عليه

أنا ضيف وجزاء الضي

ف إحسان إليه

والإحسان الذي يرجوه هذا الشاعر يذكرنا بقول بعض الأعراب:

آل ليلى إن ضيفكم

واجد بالحي مذ نزلا

أمكنوه من ثنيتها

لم يرد خمرا ولا عسلا

ومن جميل الاستعطاف قول ابن زيدون:

يا هلالا تتراءا

ه نفوس لا عيون

عجبا للقلب يقسو

منك والعطف يلين

ما الذي ضرك لو سر

بمرآك الحزين

وتلطفت بصب

حينه فيك يحين

فوجوه اللطف شتى

والمعاذير فنون

وما أوجع الأسى في قول ابن هانئ:

يا بنت ذي البرد الطويل نجاده

أكذا يجور الحكم في ناديك

عيناك أم مغناك موعدنا وفي

وادي الكرى ألقاك أم واديك

منعوك من سنة الكرى وسروا فلو

عثروا بطيف طارق ظنوك

ودعوك نشوى ما سقوك مدامة

لما تمايل عطفك اتهموك

حسبوا التكحل في جفونك حلية

تالله ما بأكفهم كحلوك

وجلوك لي إذ نحن غصنا بانة

حتى إذا احتفل الهوى حجبوك

ويندر أن تجد بين الأدباء من لا يحفظ قول ابن الطثرية:

عقيلية أما ملاث إزارها

فدعص وأما خصرها فبتيل

تقيظ أكناف الحمى ويظلها

بنعمان من وادي الأراك مقيل

أليس قليلا نظرة إن نظرتها

إليك، وكلا ليس منك قليل

فيا خلة النفس التي ليس دونها

لنا من أخلاء الصفاء خليل

ويا من كتمنا حبه لم يطع به

عدو ولم يؤمن عليه دخيل

أما من مقام أشتكي غربة النوى

وخوف العدا فيه إليك سبيل

فؤادي أسير لا يفك ومهجتي

تفيض وأحزاني عليك تطول

ولي مقلة قرحى لطول اشتياقها

إليك وأجفاني عليك همول

فديتك أعدائي كثير وشقتي

بعيد وأشياعي لديك قليل

وكنت إذا ما جئت جئت بعلة

فأفنيت علاتي فكيف أقول

فما كل يوم لي بأرضك حاجة

ولا كل يوم لي إليك رسول

صحائف عندي للعتاب طويتها

ستنشر يوما والعتاب طويل

فلا تحملي ذنبي وأنت ضعيفة

فحمل دمي يوم الحساب ثقيل

ولنختم هذا الباب بقول صاحب البدائع:

أجبني إن تفضلت

على المسكين بالرد

أأنسى الدهر ما جادت

به عيناك من وعد؟

وأرسم للمنى حدا

وما لجواي من حد؟

وأقنع بالردى وردا

وغيري صائغ الورد؟

وأرضى باللظى مثوى

ووجهك جنة الخلد؟ •••

وفيا حافظا أشقى

ليسعد ناقض العهد

وصبا والها أفنى

ليبقى جاحد الود

فيا ويلاه من حب

حملت بلاءه وحدي!

أعد لحمله جهدي

فيصعق بطشه جهدي

| الحنين

هل أتاك حديث الصمة بن عبد الله وقد خطب ابنة عمه، وكان لها محبا، فاشتط عليه عمه في المهر، فاستعان بأبيه وكان مثريا فلم يعنه، فأم عشيرته فأسعفوه، ثم ساق الإبل إلى عمه، فقال لا أقبل هذه في مهر ابنتي، فسل أباك أن يبدلها لك. فسأل أباه ذلك فأبى عليه، فلما رأى ضن أبيه وإباء عمه قطع عقلها وخلاها فعاد كل بعير إلى أهله ... ويروى أن أباه أعطاه تسعة وتسعين بعيرا فأبى عمه إلا مائة وحلف أبوه لا يكملها، فقال الصمة: والله ما رأيت ألأم منكما، وإني لألأم منكما جميعا إن أقمت بينكما، ثم رحل إلى الشام. فقالت ابنة عمه: تالله ما رأيت كاليوم رجلا باعته عشيرته ببعير!

تأمل أيها القارئ هذه القصة الوجيزة، وأكملها بما لديك من وثبات الخيال، ولا تطالبني بأكثر من هذا الإيجاز، فإنما أتخذه مقدمة لدرس قصيدة الصمة في الحنين ... ألم تر إليه وقد طالت غربته، فعبث الشوق بقلبه، واعتادته ذكرى أحبابه وأوطانه، فقال يعاتب نفسه، ويحاور فؤاده:

أمن ذكر دار بالرقاشين أصبحت

بها عاصفات الصيف بدءا ورجعا

حننت إلى ريا ونفسك باعدت

مزارك من ريا وشعباكما معا

فما حسن أن تأتي الأمر طائعا

وتجزع إن داعي الصبابة أسمعا

مدامع العشاق · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٦١