تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإني موافيك ببديع الشعر وشجيه، فيما يمثل حال المحب نأى عنه حبيبه، أو خلف أحبابه وسار، فمن الأول قول سبط التعاويذي:

أتعود أيامي برامة بعد ما

سكنت بجرعاء الحمى آرامها

وأحلها البين المشت محلة

بعدت مراميها وعز مرامها

سارقتها نظر الوداع فما ارتوت

نفس يزيد على الورود هيامها

يا غادرين وغادروا بجوانحي

لبعادهم نارا يشب ضرامها

بنتم فلا عيني تجف غروبها

أسفا ولا كبدي يبل أوامها

جودوا لعين المستهام بهجعة

فعسى تمثلكم لها أحلامها

لا تتلفوا بالبين مهجة عاشق

سيان بين حميمها وحمامها

أعداه من هيف الخصور نحولها

يوم النوى ومن العيون سقامها

ولم أجد في هذا المعنى أشجى وأوجع من قول بعض المتيمين:

لبكاء هذا اليوم صنت مدامعي

وكذا العزيز لكل خطب يذخر

يا ساكني وادي العقيق فدتكم

عين مدامعها عقيق أحمر

بنتم فما استعذبت بعد حديثكم

لفظا ولم يحسن لعيني منظر

والبيت الأخير مأخوذ من قول ابن أبي ربيعة:

لم يحبب القلب شيئا مثل حبكم

ولم تر العين شيئا بعدكم حسنا

فأما شعر من نأوا عن أحبابهم، وخلوا معاهد أنسهم، فهو كثير، ومن جيده قول الأبيوردي يتشوق إلى أحبابه وقد خلاهم ببغداد:

ألا ليت شعري هل أراني بغيضة

أبيت على أرجائها وأقيل

هواء كأيام الهوى لا يغبه

نسيم كلحظ الغانيات عليل

وعصر رقيق الطرتين تدرجت

على صفحتيه نضرة وقبول

وأرض حصاها لؤلؤ وترابها

تضوع مسكا والمياه شمول

بها العيش غض والحياة شهية

وليلي قصير والهجير أصيل

فقل لأخلائي ببغداد هل بكم

سلو فعندي رنة وعويل

ترنحني ذكراكم فكأنما

تميل بي الصهباء حيث أميل

لئن قصرت أيام أنسي بقربكم

فليلي على نأي المزار طويل

وقال أعرابي من بني عقيل :

أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي

خيام بنجد دونها الطرف يقصر

وما نظري نحو الحجاز بنافعي

بشيء ولكني على ذاك أنظر

أفي كل يوم نظرة ثم عبرة

لعينيك يجري ماؤها يتحدر

متى يستريح القلب إما مجاور

حزين وإما نازح يتذكر

وقال آخر في الحنين إلى أيامه السوالف:

سقى الله أياما لنا قد تتابعت

وسقيا لعصر العامرية من عصر

ليالي أعطيت البطالة مقودي

تمر الليالي والشهور ولا أدري

ومن شائق الحنين قول ابن الدمينة:

ألا لا أرى وادي المياه يثيب

ولا النفس عن وادي المياه تطيب

أحب هبوط الواديين وإنني

لمشتهر بالواديين غريب

أحقا عباد الله أن لست واردا

ولا صادرا إلا علي رقيب

ولا زائرا فردا ولا في جماعة

من الناس إلا قليل أنت مريب

وهل ريبة في أن تحن نجيبة

إلى إلفها أو أن يحن تجيب

وأن الكثيب الفرد من جانب الحمى

إلي وإن لم آته لحبيب

لك الله أني واصل ما وصلتني

ومثن بما أوليتني ومثيب

وآخذ ما أعطيت عفوا وإنني

لأزور عما تكرهين هيوب

فلا تتركي نفسي شعاعا فإنها

من الوجد قد كادت عليك تذوب

وإني لأستحييك حتى كأنما

علي بظهر الغيب منك رقيب

وفي هذا المعنى يقول صاحب البدائع:

تجمل بالسماح ودع ملامي

وكن عون المحب المستهام

ففي أسيوط لو تدري حبيب

هجرت لبعده طيب المنام

أسيت له يحن إلى لقائي

ودون مرامه كيد اللئام

إذا ما الليل جن ونام صحبي

مشت نار التذكر في عظامي

سلام أيها النائي سلام

وهل يغني عن اللقيا سلامي

| الرفق بالحبيب المريض

وهذا باب تتجلى فيه رقة القلوب، فمن ذلك قول خالد الكاتب:

بجسمي لا بجسمك يا عليل

ويكفيني من الألم القليل

تعداك السقام إلي إني

على ما بي لشدته حمول

إذا ما كنت يا أملي صحيحا

فحالفني وسالمك النحول

وهذه أبيات ضعيفة، لا تتناسب مع شاعرية من يقول:

وحسبك حسرة لك من حبيب

رأيت زمامه بيدي عدو

وقد يتمنى المحب لو أعفى المرض محبوبه، ورتع كيف شاء في الأجسام الدميمة ، كما قال سحيم:

ماذا يريد السقام من قمر

كل جمال لوجهه تبع

ما يرتجى، خاب من محاسنها

أما له في القباح متسع

لو كان يبغي الفداء قلت له

ها أنا دون الحبيب يا وجع

وما أرق ما يقول ابن الأحنف:

إن التي هامت بها النفوس

عاودها من سقمها نكس

مدامع العشاق · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٦٣