تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غزتني جنود الحب من كل جانب

إذا حان من جند قفول أتى جند

والبيت الأخير أعجوبة من أعاجيب الخيال، فما زال المحبون صرعى مساكين، إن قفلت عنهم جنود الخدود، غزتهم جنود العيون، ويرحم الله من تألبت عليه جنود الحب جميعا حتى ذهبت بلبه، ولم يبق إلا أن تنكسر النصال على النصال!

وقد يستعطف المتيم المحزون ولكنه لا يطلب وعدا يطارد به جيوش الأحزان، ولا يرجو الوفاء بوعد كأن يهتدي به في ظلمات الشجون، وإنما يلمح وقد يكون التلميح، أبلغ من التصريح. فيذكر أن الحسن يحدق به من كل جانب، ولكنه لا يصبو ولا يميل لأنه بمن يحب مشغول. وانظر قول الأبيوردي في هذا المعنى البديع:

وقتك الردى بيض حسان وجوهها

ومثرية من نضرة وجمال

طلعن بدورا في دجى من ذوائب

ومسن غصونا في متون رمال

أرى نظرات الصب يعثرن دونها

بأعراف جود أو رءوس عوال

عرضن علي الوصل والقلب كله

لديك فأنى يبتغين وصالي

ولولاك ما بعت العراق وأهله

بوادي الحمى والمندلي بضال

فما لنساء الحي يضمرن غيرة

سبتها العوالي ما لهن وما لي

ولو خالفتني في متابعة الهوى

يميني ما واصلتها بشمالي

وفيك صدود من دلال أظنه

على ما حكى الواشي صدود ملال

وقد يتمنى المحب أن يمرض ليعوده الحبيب، وإليك قول ابن الخياط:

أحن إلى سقمي لعلك عائدي

ومن كلف أني أحن إلى السقم

وحتام أستشفي من الداء ما به

سقامي وأستروي من الدمع ما يظمي

فراق أتى في إثر هجر وما أذى

بأوجع من كلم أصاب على كلم

مسكين هذا المحب، يتمنى المرض ليعاد، فهل يعلم أن من المحبين من أشقاه المرض، فلم يسعده العواد، وهل أتاه حديث ابن الأحنف وقد لج به المرض فأخذ يهذي بهذا الشعر الباكي الحزين:

أهابك أن أشكو إليك وليس لي

يد بالذي ألقى وأخفي من الوجد

وإني لصادي الجوف والماء حاضر

أراه ولكن لا سبيل إلى الورد

وما كنت أخشى أن تكون منيتي

بكف أخص الناس كلهم عندي

وهل وصلت إليه تلك الوصية البديعة التي بعث بها ابن الأحنف إلى حجاج البيت الحرام وقد توقع أن يمروا بدار هواه؟

انظر إلى ذلك العليل، وقد خفي الداء، وتعذر الشفاء، وكلما عصر الماء في فيه مجه، كما يفعل الطفل الغرير، وقد ذهبت العلة بجمال نظراته، وسحر بسماته، وإن نودي لم يجب بغير الأنين، انظر إليه وقد تمنى جرعة مزجت بريق حبيبته يحملها إليه الحجاج في زجاجة! ولو أمكن أن تنقل إليه النظرة، لرجاهم أن يحملوا إليه نظرة، ولو خلق الفنوغراف في ذلك الحين لرجاهم أن ينقلوا إليه نغمة من نغماتها العذاب! ولو مهر المصورون إذ ذاك لكلفهم أن يصوروا مشيتها الفتانة في الضحى والأصيل! انظر إليه وهو يرجوهم أن يتعللوا عند أهله فيذكروا أن تلك الجرعة العذبة إنما هي من ماء زمزم! ويحك، وأين ماء زمزم الملح الأجاج، من ماء ذلك الثغر العذب الفرات؟ انظر إليه وقد أوصاهم أن يرشوا ريق من يهوى على وجهه، فإن صادفوه ميتا فليرشوه على قبره! انظر كيف يقول:

أزوار بيت الله مروا بيثرب

لحاجة متبول الفؤاد كئيب

وقولوا لهم يا أهل يثرب أسعدوا

على جلب للحادثات جليب

فإنا تركنا بالعراق أخا هوى

تنشب رهنا في حبال شعوب

به سقم أعيا المداوين علمه

سوى ظنهم من مخطئ ومصيب

إذا ما عصرنا الماء في فيه مجه

وإن نحن نادينا فغير مجيب

خذوا لي منها جرعة في زجاجة

ألا إنها لو تعلمون طبيبي

وسيروا فإن أدركتم بي حشاشة

لها في نواحي الصدر وجس دبيب

فرشوا على وجهي أفق من بليتي

يثيبكم ذو العرش خير مثيب

فإن قال أهلي ما الذي جئتم به

وقد يحسن التعليل كل أريب

فقولوا لهم جئناه من ماء زمزم

لنشفيه من دائه بذنوب

وإن أنتم جئتم وقد حيل بينكم

وبيني بيوم للمنون عصيب

وصرت من الدنيا إلى قعر حفرة

حليف صفيح مطبق وكثيب

فرشوا على قبري من الماء واندبوا

قتيل كعاب لا قتيل حروب

وكان ابن الأحنف هذا يستعطف فلا يرجو شيئا، ولا يخاف شيئا، وكل مناه أن يعلم فاتنوه أنه يحبهم، وأن يسمعوا صوت ما يجد، وإنه لمطلب زهيد، ولكنه قد يصبح صعب المنال، وانظر هذه الأبيات التي يندر أن تجد مثلها في تصوير المحب وقد خلاه من أذكوا نار جواه، وتركوه يتلوى ويتململ فوق جمر الهوى وجمر الصدود:

مدامع العشاق · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٦٠