تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت تقول: قاتله الله ما أقساه! هلا قال: ادخلي بسلام.

فلو سمعت السيدة سكينة بهذا المحب السفاح لطال بكاؤها على صرعى الغيرة، وقتلى الإشفاق، ولئن كان الجنون فنونا كما يقولون، فهذا ورب الكعبة أغرب فنون الجنون، وكنا نود لو حدثنا التاريخ عن أثر هذه الأعجوبة في أنفس من عاصروا ابن رغبان لنعرف رأيهم في الجناية على الجمال، ألم يكفهم أن الحسن حال تحول، ودولة تدول، حتى تسوق غيرتهم إليه الفناء؟ وبعد، فقد سمي عبد السلام بن رغبان هذا «ديك الجن» وإنه في فعلته هذه لشيطان مريد!

هذا، ومن الشعراء من يغار من عود البشام حين يستاك به الحبيب، ومن العقد يطوق به الجيد، ومن النقاب يحجب به الوجه الجميل، كما قال الشريف:

يا غزال الجزع لو كا

ن علي الجزع لمام

أحسد الطوق على جي

دك والطوق لزام

وأعض الكف إن نا

ل ثناياك البشام

وأغار اليوم إن مر

على فيك اللثام

ومنهم من يغار من قميص حبيبه، كما قال خالد الكاتب:

محبك شفه ألمه

وخاصر جسمه سقمه

وباح بما يجمجمه

من الأسرار مكتتمه

أما ترثي لمكتئب

يحبك لحمه ودمه

يغار على قميصك حي

ن تلبسه ويتهمه

وكما قال بعض الأعراب:

أرى القميص على ليلى فأحسده

إن القميص على ما ضم محسود

ومنهم من يغار على اسم محبوبه، فيكني عنه، لئلا تتمتع به الآذان، كما قال البها زهير:

وأنزه اسمك أن تمر حروفه

من غيرتي بمسامع الجلاس

فأقول بعض الناس عنك كناية

خوف الوشاة وأنت كل الناس

وقد يغار المحب على حبيبه من نفسه، كما قال أبو تمام:

بنفسي من أغار عليه مني

وتحسد مقلتي نظري إليه

ولو اني قدرت طمست عنه

عيون الناس من حذري عليه

حبيب بث في قلبي هواه

وأمسك مهجتي رهنا لديه

فروحي عنده والجسم خال

بلا روح وقلبي في يديه

| الاستعطاف

نذكر هنا حيل العشاق في لفت أنظار الأحباب إليهم، وتوجيه أفكارهم نحوهم، حتى ينالوا طلبتهم من القرب، وبغيتهم من الوصل، ولذلك حالات: فمن العشاق من يقبح لحبيبه المطل والخلف، حتى يبر بوعده، ويفي بعهده، كقول ابن الأحنف:

كأن لم يكن بيني وبينكم هوى

ولم يك موصولا بحبلكم حبلي

وإني لأستحيي لكم من محدث

يحدث عنكم بالملالة والمطل

وكقول الطغرائي:

ويا جيرتي بالجزع جسمي بعدكم

نحيل وطرفي بالسهاد كليل

عهدت بكم غصن الشبيبة مورقا

فخان وخنتم والوفاء قليل

وأودعتكم قلبي فلما طلبته

مطلتم وشر الغارمين مطول

فإن عدتم يوما تريدون مهجتي

تمنعت إلا أن يقام كفيل

ومن المتيمين من يحرم كل شيء حتى الوعد فتراه لا يطلب الوفاء ولا يقبح الإخلاف، وإنما يرجو وعدا يجلو به كربة قلبه، ويطفئ به نار جواه، لو تغني الوعود!

وما أزال ألمح في عالم الخيال مجنون بني عامر، وقد صادف في توحشه حي ليلى، ولقيها فجأة فعرفها وعرفته، فصعق وخر مغشيا عليه، وأقبل فتيان من حي ليلى فأخذوه، ومسحوا التراب عن وجهه وأسندوه إلى صدورهم، وسألوا أن تقف له وقفة، فرقت لما رأته وقالت: أما هذا فلا يجوز أن أفتضح به ثم قالت لجاريتها: اذهبي إلى قيس فقولي له: ليلى تقرأ عليك السلام، وتقول لك أعزز علي بما أنت فيه، ولو وجدت سبيلا إلى شفاء دائك لوقيتك بنفسي. فمضت الوليدة إليه وأخبرته بقولها فأفاق وجلس، وقال: أبلغيها السلام، وقولي لها هيهات هيهات! إن دائي ودوائي أنت، وإن حياتي ووفاتي لفي يديك، ولقد وكلت بي شقاء لازما وبلاء طويلا، ثم بكى، وأنشأ يقول:

أقول لأصحابي هي الشمس ضوءها

قريب ولكن في تناولها بعد

لقد عارضتنا الريح منها بنفحة

على كبدي من طيب أرواحها برد

فما زلت مغشيا علي وقد مضت

أناة وما عندي جواب ولا رد

أقلب بالأيدي وأهلي بودهم

يفدونني لو يستطيعون أن يفدوا

ولم يبق إلا الجلد والعظم عاريا

ولا عظم لي أن دام ما بي ولا جلد

أدنياي ما لي في انقطاعي ورغبتي

إليك ثواب منك دين ولا نقد

عديني بنفسي أنت وعدا فربما

جلا كربة المكروب عن قلبه الوعد

مدامع العشاق · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٥٩