وإن الشباب إذا ما انقضى
لكالحلم أقلع عنه الوسن
7
أما بعد فقد أخرجنا للناس كتاب «الأخلاق عند الغزالي» فرمونا من أجله بالكفر، واليوم نخرج لهم مدامع العشاق، وسيرموننا من أجله بالفجور، وسنصبر على عدوانهم حتى نخرج كتاب «آراء الجاحظ الفلسفية والأدبية» وكتاب «أفنان الجمال» ثم نجنح بعد ذلك إلى المتاب!
وقد زعمت ليلى بأني فاجر
لنفسي تقاها أو عليها فجورها
الملحد الفاجر فيما يزعمون «زكى مبارك»
سنتريس في 12 ربيع الأول سنة 1343 هجرية
| مذاهب النسيب
أكثر شعراء العرب من الحديث عن الحب، وعن الحسن وتنوعت مذاهبهم في وصف ما يشقى به المحب، وما ينعم به الحبيب!
ويمكن رجع كلامهم في النسيب إلى أصلين اثنين:
الأول:
وصف ما يلاقي المحبون من عنت الحب، ويدخل في ذلك كل ما يهيج الوجد، ويثير الدمع، كحديث الفراق، والعتاب، والذكرى، والحنين.
الثاني:
وصف ما يرى الشعراء في أحبابهم من روعة الحسن، ويدخل في ذلك كل ما تتمتع به النفس؛ والعين ، من جمال الأبدان والأرواح، كوصف العيون، والخدود، والثغور، والنحور، والصدور، وكالحديث عن العطف، والرفق، والوفاء والعفاف.
وقد رأيت أن أفصل مذاهب النسيب في وصف ما يشقى به المحبون في كتاب اسميه «مدامع العشاق»، وأن أشرح مذاهبهم في الكلام عن الحسن في كتاب اسميه «أفنان الجمال».
وكان الواجب أن نبدأ بطبع «أفنان الجمال» لأنه أوفى وأمتع، ولأن أفنان الجمال، وجدت قبل مدامع العشاق.
ولكن دولة الحسن لا عدل فيها ولا رحمة، فلنتابعها في الظلم، ولنقدم الفروع على الأصول!
| موجبات الدموع
نذكر في هذا الباب حديث الشعراء عن أسباب البكاء، وموجبات المدامع، ثم ما يعرفون عن احمرار الدموع بعد أن كانت بيضاء، وابيضاضها بعد أن كانت حمراء!
وللدموع أسباب عامة، وأسباب خاصة، فأما الأسباب العامة فهي الحرق الدخيلة، والجوى الدفين، وما إلى ذلك من البث والحزن، واللوعة والحسرة، فمن هذا قول العباس بن الأحنف:
ظلمت عيناك عيني إنها
بادلتها بالرقاد الأرقا
سلط الشوق على الدمع فما
هب داعي الشوق إلا اندفقا
وما كان له أن ينسب إلى عينيها الظلم، لابتلائه بالسهاد. وخير منه قول صريع الغواني:
أسهرتموني أنام الله أعينكم
لسنا نبالي إذا ما نمت من سهرا
ولو قال:
رحمت عيناك عيني إنها
بادلتها بالرقاد الأرقا
لكان أقرب إلى الصدق وعرفان الجميل، فحسب المحب ما أهدته عينا حبيبه من ضنى الجسم، وسهد الجفون. وقال البحتري:
قد أرتك الدموع يوم تولت
ظعن الحي ما وراء الدموع
1
عبرات ملء الجفون مرتها
حرق الفؤاد ملء الضلوع
2
فرقة لم تدع لعيني محب
منظرا بالعقيق غير الربوع
ولا أدري ما الذي أراده البحتري بما وراء الدموع! أهو الدم الأحمر الذي تجود به الشئون عندما تفيض المدامع، أم هي الحرق الدخيلة التي ينبئ عنها الدمع، ويفصح عن مكنونها البكاء! وقال الشريف الرضي:
يقولون ما أبقيت للعين عبرة
فقلت جوى لو تعلمون أليم
أيسمح جفني بالدموع وأغتدي
ضنينا بها؟ إني إذن للئيم
ولو بخلت عيني إذن لعتبتها
فكيف ودمع الناظرين كريم
ولعل هذا خير ما قيل في الاعتذار عن البكاء، بذكر موجبه، والداعي إليه، وإنه لشعر بديع. أما الأسباب الخاصة فهي كثيرة، فمن العشاق من يبكي لتلمس الأخبار، كما قال ابن هرم.
وأستخبر الأخبار من نحو أرضها
وأسأل عنها الركب عهدهم عهدي
فإن ذكرت فاضت من العين عبرة
على لحيتي نثر الجمان من العقد
وإني ليروقني قوله: (وأسأل عنها الركب عهدهم عهدي) فإنه يدل على حيرة ووله، إذ كان يسأل من لا يعلم من أخبارها شيئا، استرواحا بالسؤال عنها، وكذلك يفعل المشوق! ولا يبعد أن يستنكر الغواني فيض الدموع على اللحية في هذا الشعر؛ لأن الأمر كما قال أبو تمام:
أجلى الرجال من النساء مواقعا
من كان أشبههم بهن خدودا
وقاتل الله الشيب، ولا عفا عن جنايته على الشباب!