تعجبت أن رأت أسراب دمعته
في حلبة الخد أجراها حشا وجع
أصبحت لم تطعمي ثكل الشباب ولم
تشجي بغصته والعذر لا يقع
لا ألحين فتاتي غير كاذبة
عين المكذوب فما في ودكم طمع
ما بالشبيبة من وان وإن رفعت
إلا لها نبوة عنه ومرتدع
إني لمعترف ما في من أرب
عند الحسان فما في النفس منخدع
قد كدت تقضي على فوت الشباب أسى
لولا أعزيك إن الأمر منقطع
ويذكرون أن الرشيد سمع هذا الشعر، وبكى له، وأنشد:
أتأمل رجعة الدنيا سفاها
وقد صار الشباب إلى ذهاب
فليت الباكيات بكل أرض
جمعن لنا فنحن على الشباب
ومن التعليل الكاذب قول البحتري في مدح المشيب:
عذلتنا في عشقها أم عمرو
هل سمعتم بالعاذل المعشوق
ورأت لمة ألم بها الشي
ب فريعت من ظلمة في شروق
ولعمري لولا الأقاحي لأبصر
ت أنيق الرياض غير أنيق
وسواد العيون لو لم يجاور
ه بياض ما كان بالموموق
ومزاج الصهباء بالماء أملى
بصبوح مستحسن وغبوق
أي ليل يبهى بغير نجوم
أو سحاب يندى بغير بروق
لكن ماذا يصنع الأشيب، إن لم يغالط الحسان بهذه المعاذير؟!
| بلايا الغيرة
نذكر هنا ما جرى في سبيل الغيرة من الدموع، ونتقدم ذلك بقول بعض الأندلسيين وقد قبل من يهواه:
يا رب إن قدرته لمقبل
غيري فللمسواك أو للأكؤس
وإذا قضيت لنا بصحبة ثالث
يا رب فليك شمعة في المجلس
وإذا حكمت لنا بعين مراقب
يا رب فليك من عيون النرجس
ألست ترى الرعب وقد استولى على هذا الشاعر من أن ينعم بحبيبه سواه، فجعل يتمنى، لو تنفع الأماني، أن لا يراقبهم غير النرجس، وأن لا يصحبهم غير الشمعة، وأن لا يقبل محبوبه غير الكأس أو المسواك؟!
وقد جن العرب بالغيرة جنونا، فتخيلوا غسان بن جهضم ينشد زوجه من عالم الأرواح، وقد زفت إلى غيره بعد موته بقليل:
غدرت ولم ترعي لبعلك حرمة
ولم تعرفي حقا ولم تحفظي عهدا
ولم تصبري حولا حفاظا لصاحب
حلفت له يوما ولم تنجزي وعدا
غدرت به لما ثوى في ضريحه
كذلك ينسى كل من سكن اللحدا
وتخيل رواة العرب أن موسى الهادي جاء إلى جاريته (غادر) وقد أقبلت من بعده على أخيه هارون فأنشدها وهي نائمة هذه الأبيات:
أخلفت عهدي بعد ما
جاورت سكان المقابر
ونكحت غادرة أخي
صدق الذي سماك غادر
لا يهنك الإلف الجدي
د ولا تنم عنك الدوائر
ولحقت بي قبل الصبا
ح وصرت حيث غدوت صائر
بعد هذا التمهيد يستطيع القارئ أن يدرك لم حملت الغيرة عبد السلام بن رغبان على قتل غلامه وجاريته، وحديث هذا الشاعر عجيب؛ فقد ذكروا أنه اشترى غلاما وجارية، ثم شغفاه حبا، فكان يجلس للشراب والجارية عن يمينه والغلام عن شماله، ثم خشى أن يموت قبلهما فينعم غيره بما لهما من روعة وجمال، فذبحهما وأحرقهما وصنع من ترابهما آنيتين للشراب! وكان ينشد حين يشرب من الآنية التي صنعها من تراب الغلام هذه القطعة الباكية:
أشفقت أن يرد الزمان بغدره
أو أبتلى بعد الوصال بهجره
قمر قد استخرجته من دجنه
لبليتي وأثرته من خدره
فقتلته وله علي كرامة
فله الحشا وله الفؤاد بأسره
عهدي به ميتا كأحسن نائم
والحزن يسفح مدمعي في نحره
لو كان يدري الميت ماذا بعده
بالحي منه بكى له في قبره
غصص تكاد تفيض منها نفسه
ويكاد يخرج قلبه من صدره
ثم ينشد حين يشرب من الآنية التي صنعها من تراب الجارية هذه القطعة التي يندر أن نجد أحر منها في الرثاء:
يا طلعة طلع الحمام عليها
فجنى لها ثمر الردى بيديها
حكمت سيفي في مجال خناقها
ومدامعي تجري على خديها
رويت من دمها الثرى ولطالما
روى الهوى شفتي من شفتيها
فوحق نعليها وما وطئ الثرى
شيء أعز علي من نعليها
ما كان قتليها لأني لم أكن
أبكي إذا سقط الذباب عليها
لكن بخلت على الوجود بحسنها
وأنفت من نظر العيون إليها
ولعل الظلم لم يرزق حجة أقوى من هذه الحجة ، ولا برهانا أسطع من هذا البرهان! وكانت السيدة سكينة تعيب على جرير قوله:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا
وقت الزيارة فارجعي بسلام