تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم أنس منها نظرة هاج لي بها

هوى منه باد ظاهر ودخيل

كما نظرت حوراء في ظل سدرة

دعاها إلى ظل الكناس مقيل

وابن زيدون يجعل صبره عن حبيبه كصبر الظماء عن الماء، فيقول:

إليك من الأنام غدا ارتياحي

وأنت من الزمان مدى اقتراحي

وما اعترضت هموم النفس إلا

ومن ذكراك ريحاني وراحي

فديتك إن صبري عنك صبري

لدى عطشي عن الماء القراح

ولي أمل لو الواشون كفوا

لأطلع غرسه ثمر النجاح

وأعجب كيف يغلبني عدو

رضاك عليه من أمضى سلاحي

فؤادي من أسى بك غير خال

وقلبي من هوى لك غير صاحي

فلو أسطيع طرت إليك شوقا

وكيف يطير مقصوص الجناح

ويأسى ابن الدمينة على أن لم يغنه القرب، ولم يسله البعد، فيقول:

وقد زعموا أن المحب إذا دنا

يمل وأن النأي يشفي من الوجد

بكل تداوينا فلم يشف ما بنا

على ذاك قرب الدار خير من البعد

على أن قرب الدار ليس بنافع

إذا كان من تهواه ليس بذي عهد

وأوجع الشعر في فقد العزاء قول بعض الأعراب:

فيا رب إن أهلك ولم ترو هامتي

بليلى أمت لا قبر أعطش من قبري

وإن أك عن ليلى سلوت فإنما

تسليت عن يأس ولم أسل عن صبر

وإن يك عن ليلى غنى وتجلد

فرب غنى نفس قريب من الفقر

| بكاء الشباب

ولعل أشجى ما يمر بخاطر المرء أن يهجره الغيد بعد انصرام الشباب، والشباب هو شفيع الفتى إلى قلوب الحسان، فإذا مضى فقد أصبح بلا شفيع، والويل للمفرد المغلوب!

من أجل ذلك تفنن الشعراء في بكاء الشباب، والتنكر للمشيب، فمنهم من تبيض في رأسه شعرة واحدة، فلا يراها قليلة، لأن قذى العين غير قليل، كما قال ابن الرومي:

طرفت عيون الغانيات وربما

أمالت إلي الطرف كل مميل

وما شبت إلا شيبة غير أنه

قليل قذاة العين غير قليل

وابن الرومي يكثر البكاء على شبابه، ويعلل نفسه أحيانا بأن الشيب في الرأس كالنور على الغصن، ويأسى كثيرا لاحتياجه إلى الخضاب، الذي يراه أشبه بسواد الحداد، ويكاد يصرخ من خروجه إلى الحسان في شعر ميت، وقلب حي، والمحب يتفجر قلبه دائما بالحياة، وانظر كيف يقول:

شاب رأسي ولات حين مشيب

وعجيب الزمان غير عجيب

قد يشيب الفتى وليس عجيبا

أن يرى النور في القضيب الرطيب

ساءها أن رأت حبيبا إليها

ضاحك الرأس عن مفارق شيب

يا حليف الخضاب لا تخدع النف

س فما أنت للصبا بنسيب

ليس يجدي الخضاب شيئا من النف

ع سوى أنه حداد كئيب

لهف نفسي على القناع الذي مح

وأعقبت منه شر عقيب

1

منع العين أن تقر وقرت

عين واش بنا وعين رقيب

شعر ميت لذي وطر حي

كنار الحريق ذات اللهيب

ظلمتني الخطوب حتى كأني

ليس بيني وبينها من حسيب

وما أروع قوله في السخر من الخضاب:

رأيت خضاب المرء عند مشيبه

حدادا على شرخ الشبيبة يلبس

وإلا فما يغزو امرؤ بخضابه

أيطمع أن يخفى شباب مدلس

وكيف بأن يخفى المشيب لخاضب

وكل ثلاث صبحه يتنفس

وهبه يواري شيبه أين ماؤه

وأين أديم للشبيبة أملس

وقال أشجع السلمي يوصي بانتهاب اللذات، قبل أن يقف في سبيلها الهرم والمشيب:

وما لي لا أعطي الشباب نصيبه

وغصناه يهتزان في عوده الرطب

رأيت الليالي ينتهبن شبيبتي

فأسرعت باللذات في ذلك النهب

رأيت بنات الدهر يخلسن لذتي

لقد حزن سلمي وانتهين إلى حربي

وقد حولت حالي الليالي وأسرجت

على الرأس أمثال الفتيل من العطب

وموت الفتى خير له من حياته

إذا كان ذا حالين يصبو ولا يصبي

وقال آخر في صدوف النساء عن صرعى المشيب:

هل الأدم كالآرام والدهر كالدمى

معاودتي أيامهن الصوالح

زمان سلاحي بينهن شبيبتي

لها سائق من حسنهن ورامح

وأقسمن لا يسقينني قطر مذنة

لشيبي ولو سالت بهن الأباطح

وكان أستاذنا المرحوم فقيد اللغة والأدب الشيخ محمد المهدي بك كثير الإعجاب بقول أبي منصور النميري في الجزع على شبابه المفقود:

ما تنقضي حسرة مني ولا جزع

إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع

بان الشباب ونابتني بفرقته

خطوب دهر وأيام لها خدع

ما كنت أوفي شبابي كنه قيمته

حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع

مدامع العشاق · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٥٧