وكنا كغصني بانة وسط روضة
نشم شذا الأزهار في عيشة رغد
فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطع
فيا فردة باتت تحن إلى فرد
ولهذين البيتين قصة محزنة يضيق عن ذكرها المجال.
| الهرب من الفراق
وإذا كان ما تقدم هو حال المحبين يوم الفراق، فليس ببدع أن يهرب البحتري من منظر الوداع، وأن يظرف حين يقول:
الله جارك في انطلاقك
تلقاء شامك أو عراقك
لا تعذلني في مسي
رك يوم سرت ولم ألاقك
إني خشيت مواقفا
للبين تسفح غرب ماقك
وعلمت ما يلقى المتي
م عند ضمك واعتناقك
وعلمت أن لقاءنا
سبب اشتياقي واشتياقك
فتركت ذاك تعمدا
وخرجت أهرب من فراقك
وفي مقابل هذا المعنى يقول العباس بن الأحنف وقد حرم توديع من يحب:
كفى حزنا أني بقيت وليس لي
سبيل إلى توديعكم فأودع
تلفت خلفي حيث لم تبق حيلة
وذودت عيني نظرة وهي تدمع
| غراب البين
أكثر العرب من ذكر الغراب، والتشاؤم من منظره، حتى ليقولون:
رأيت غرابا ساقطا فوق بانة
ينتف أعلى ريشه ويطايره
فقلت ولو اني أشاء زجرته
بنفسي للنهدي هل أنت زاجره
فقال غراب لاغتراب من النوى
وفي البان بين من حبيب تجاوره
فما أعيف النهدي لا در دره
وأزجره للطير لا عز ناصره
ومن الشعراء من استخف بهذه الخرافة، وسخر من المتطيرين، ورأى أن الإبل هي التي تفرق الأحباب، كقول أبي الشيص:
ما فرق الأحباب بع
د الله إلا الإبل
والناس يلحون غرا
ب البين لما جهلوا
وما على ظهر غرا
ب البين تطوى الرحل
ولا إذا صاح غرا
ب في الديار احتملوا
وما غراب البين إلا
ناقة أو جمل
ومنهم من لا يجيز ذم المطي، لأن لها صلة بمن يحب، كالذي يقول:
زعموا بأن مطيهم عون النوى
والمؤذنات بفرقة الأحباب
ولو انها حتفي لما أبغضتها
ولها بهم سبب من الأسباب
| فقد العزاء
وقد يعنف الهوى ويقسو، حتى يذهب بجميل الصبر، وحميد العزاء، فمن العشاق من يفقد اصطباره عند الوداع. كقول ابن نباتة السعدي:
كيف العزاء وأين بابه
والحي قد خفت ركابه
بأغر منتقب ينم
على محاسنه نقابه
متأود حلو الشمائل
من أساوره حقابه
1
زعم المخبر أنه
ضربت على سلع قبابه
فطلبته كالأيم أو
كالسيل في الليل انسيابه
فإذا أحم المقلتي
ن يشين أنمله خضابه
يهتز مثل السمهري
تدافعت فيه كعابه
وقف الولائد دونه
كالقلب يستره حجابه
أقبلت أسأله وأع
لم أن حرماني جوابه
ويلي على متلون ال
أخلاق يعجبه شبابه
لا رسله تترى إلي
نا بالسلام ولا كتابه
وأحب أن يتأمل القارئ هذه القصيدة البديعة، وأن يتنبه إلى دقة الوصف في جميع ما عرض الشاعر له، وعلى الأخص تلون الأخلاق، والزهو بالشباب في أرباب الجمال، وقال الشريف:
ورامين وهنا بالجمار وإنما
رموا بين أحشاء المحبين بالجمر
رموا لا يبالون الحشا وتروحوا
خليين والرامي يصيب ولا يدري
وقالوا غدا ميعادنا النفر عن منى
وما سرني أن اللقاء مع النفر
ويا بؤس للقرب الذي لا نذوقه
سوى ساعة ثم البعاد مدى الدهر
فيا صاحبي إن تعط صبرا فإنني
نزعت يدي اليوم من طاعة الصبر
وإن كنت لم تدر البكا قبل هذه
فميعاد دمع العين منقلب السفر
وقد يستولي الحزن على القلب، ويتغلغل في سويدائه، حتى ييأس المحب عن صلاحية فؤاده للسرور، لو رجعت أسبابه، كما قال بعض الشعراء:
كم استراح إلى صبر فلم يرح
صب إليكم من الأشواق في ترح
تركتم قلبه من حزن فرقتكم
لو يرزق الوصل لم يقدر على الفرح
وقال خالد الكاتب يفضل اللوعة على العزاء:
عاتبت نفسي في هوا
ك فلم أجدها تقبل
وأطعت داعيها إلي
ك فلم أطع من يعذل
لا والذي جعل الوجو
ه لحسن وجهك تمثل
لا قلت إن الصبر عن
ك من التصابي أجمل
وقال إسحاق الموصلي في ذهاب الوداع بالصبر الجميل:
تقضت لبانات وجد رحيل
ولم يشف من أهل الصفاء غليل
ومدت أكف للوداع فصافحت
وفاضت عيون للفراق تسيل
ولا بد للألاف من فيض عبرة
إذا ما خليل بان عنه خليل
فكم من دم قد طل يوم تحملت
أوانس لا يودى لهن قتيل
غداة جعلت الصبر شيئا نسيته
وأعولت لو أجدى علي عويل