يقولون إن مدامع العشاق التي أنشرها في جريدة الصباح مما يفسد الشباب، وذلك منهم جهل بأسرار الجمال، وما له من الأثر في تهذيب النفوس، وتثقيف العقول. ويهددون ويوعدون بالويل والثبور، إذا أنا مضيت في هذا البحث الشائق الطريف! فهل حسب هؤلاء السفهاء أني أكتب لهم حتى أنزل عند رأيهم السخيف المأفون!
أبينا أن نطيعكم أبينا
فلا تلقوا نصيحتكم إلينا
ركبنا في الهوى خطرا فإما
لنا ما قد كسبنا أو علينا
ولو لم يرض ربك ما أردنا
لما أعطى لنا أذنا وعينا
فما تسآلكم عن كل صب
كأن لكم على العشاق دينا
6
إلى هنا وقف القارئ على ألوان من الخواطر، مرت بخاطر شاب يهم بالتمرد على ما ألف الناس، وما كنت لأذكر هذه التفاصيل لولا بغضي للرياء، فأنا بصريح القول: موكل بالحسن أتبعه، ومغرم بالتغريد على أفنان الجمال. وإني لأقول:
أشجاك ما خلف الستار وإنما
خلف الستائر لؤلؤ مكنون
والناس في غفلاتهم لم يعلموا
أني بكل حسانهم مفتون
وأقول:
فيا رب إما رمت لي الخير منعما
ففي قرب من أهوى وبعد أخي اللوم
وإن كان لي فيما قضيت مساءة
فحزن على النائين جيرتي القدم
وإن شئت لي يوما جوارك فلأكن
شهيد الجوى لا نضوهم ولا سقم
وطول حسابي في المعاد على الهوى
فطول أحاديث الصبابة من همي
وما كان أغناني عن الفزع إلى حكم الأخلاق، لأرجع الخير والشر إلى النيات، لا إلى الأعمال، فقد آن لنا أن نعرف أن من الحق، بل من الواجب، أن ندرس الجمال، وأن نتغنى به، وأن نصفه بالنثر البليغ، والشعر الجميل، وأن نكتب عمن كلفوا بالحسن: من العشاق، والشعراء.
ولقد يروون عن رسول الله أنه قال: «إن الله ليعجب من شاب لا صبوة له.» وأنا لا أريد أن يعجب الله منى! وسينكر المتعنتون هذا الحديث، وأنا قبلهم لا أجزم بصحته، ولكني أثق بأنه يقرر حقيقة واقعة، فما كان الله ليخلق الجمال لنعمى عنه، أو لنرمي عشاقه بالإثم والفجور، وهؤلاء المتزمتون الأغبياء لا يملون من الدعوة إلى الاستمتاع بجمال الطبيعة، لهم الويل! وهل الإنسان إلا لباب الطبيعة، وسرها المكنون؟!
وماذا أصنع بالأشجار، والأزهار، والثمار، والأنهار، والكواكب، والنجوم، والسهول، والحزون، والجبال، والوديان، والطيور الصوادح، والظباء السوانح؟
ماذا أصنع بكل أولئك، إذا لم يكن معي إنسان أطارحه القول، وأساجله الحديث، وأساقيه صهباء هذا الوجود؟!
وهذا الإنسان أليس لي الحق في اختياره، قبل اصطفائه؟ وكيف أختاره إن لم أحكم الذوق، في تمييز جسمه وروحه، وعقله وشعوره، وحسه ووجدانه؟
وما قيمة الليل إن لم تظلني في الحب ظلماؤه؟ وما جمال الأغصان إن لم تهزني إلى ضم القدود، وما حسن الأزهار إن لم تشقني إلى لثم الخدود؟ وكيف أميل إلى الظباء، لو لم تشبه بعيونها وأجيادها، ما للحسان من أعناق وعيون؟ وكيف أصبو إلى غنة الغزال، لولا ذكرى تلك النبرات العذاب، التي يسمونها السحر الحلال؟
وأنك لتعلم أيها القمر، كيف كنت أصدف عنك، وأنا أطالع ذلك الوجه، الذي نعمت معي بثغره المفلج، وأنفه الأقنى، وطرفه الأحور، وجبينه الوضاح، وإنك لتعلم أيها القمر، كيف هجرتك حين غاب، وتعلم أني لا أنظر إليك إلا حين السرار، لأرى كيف يفعل الشحوب بك، وكيف تنسال منك الليالي! وإنها لشماتة طفيفة، أحزن من بعدها على خلود متعتك بصباح الوجوه وعلى عودتك لشبابك، في حين أودع كل يوم جزءا من شبابي، ووا حسرتاه على ما أودع من أجزاء الشباب!
لأصبحت نهب الأسى والحزن
لجسم أقام وقلب ظعن
فيا ويحهم يزمعون الرحيل
وما زودوني غير الشجن
دموع تحدر فوق الخدود
كصوب الغمام إذا ما هتن
وقلب يقلب بين الضلوع
بعيد القرار فقيد السكن
وأصبحت والرأس مرعى المشيب
قليل السرور كثير الحزن
لعمري لئن شبت قبل الأوان
لقد شاب حظي وشاب الزمن
كأن الشعور عراها البياض
سهام الردى أو خيوط الكفن