ولكن حب من وطئ الترابا
فهذا فعل شيخينا جميعا
أرادا لي البلية والعذابا
ولقيس بن ذريح شعر أجود مما تقدم، وأدل على لوعته وأسفه لفراق لبنى كقوله:
تبكي على لبنى وأنت تركتها
وكنت كآت غيه وهو طائع
فلا تبكين في إثر شيء ندامة
إذا نزعته من يديك النوازع
فليس لأمر حاول الله جمعه
مشت ولا ما فرق الله جامع
كأنك لم تقنع إذا لم تلاقها
وإن تلقها فالقلب راض وقانع
فيا قلب خبرني إذا شطت النوى
بلبنى وصدت عنك ما أنت صانع
أتصبر للبين المشت مع الجوى
أم انت امرؤ ناسي الحياء فجازع
فما أنت إن بانت لبينى بهاجع
إذا ما استقلت بالنيام المضاجع
وكيف ينام المرء مستشعر الجوى
ضجيج الأسى فيه نكاس روادع
ولا خير في الدنيا إذا لم تواتنا
لبينى ولم يجمع لنا الشمل جامع
ولولا رجاء القلب أن تعطف النوى
لما حملته بينهن الأضالع
له وجبات إثر لبنى كأنها
شقائق برق في السحاب لوامع
نهاري نهار الناس حق إذا دجا
لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى
ويجمعني بالليل والهم جامع
ألا إنما أبكي لما هو واقع
وهل جزع من وشك بينك نافع
ومن جيد شعره أيضا هذه القصيدة:
سأصرم لبنى حبل وصلك مجملا
وإن كان صرم الحبل منك يروع
وسوف أسلي النفس عنك كما سلا
عن البلد النائي البعيد نزيع
وإن مسني للضر منك كآبة
وإن نال جسمي للفراق خشوع
سقى طلل الدار التي أنتم بها
بشرقي لبنى صيف وربيع
يقولون صب بالنساء موكل
وما ذاك من فعل الرجال بديع
مضى زمن والناس يستشفعونني
فهل لي إلى لبنى الغداة شفيع
أيا حرجات الحي حيث تحملوا
بذي سلم لا جادكن ربيع
وخيماتك اللاتي بمنعرج اللوى
بلين بلى لم تبلهن ربوع
إلى الله أشكو نية شقت العصا
هي اليوم شتى وهي أمس جميع
وإن انهمال العين بالدمع كلما
ذكرتك وحدي خاليا لسريع
فلو لم يهجني الظاعنون لهاجني
حمائم ورق في الديار وقوع
تجاوبن فاستبكين من كان ذا هوى
نوائح ما تجري لهن دموع
لعمرك إني يوم جرعاء مالك
لعاص لأمر المرشدين مضيع
ندمت على ما كان مني، فقدتني
كما يندم المغبون حين يبيع
إذا ما لحاني العاذلات بحبها
أبت كبد مما أجن صديع
وكيف أطيع العاذلات وحبها
يؤرقني والعاذلات هجوع
عدمتك من نفس شعاع فإنني
نهيتك عن هذا وأنت جميع
فقربت لي غير القريب وأشرقت
هناك ثنايا ما لهن طلوع
وضعفني حبيك حتى كأنني
من الأهل والمال التلاد خليع
وحتى دعاني الناس أحمق مائقا
وقالوا مطيع للضلال تبوع
ويعجبني قوله:
ندمت على ما كان مني، فقدتني!
كما يندم المغبون حين يبيع
وهو في شعره يمثل الفطرة الخالصة من شوائب التكلف، فإنه فجع بفر حليلته، والحليلة المعشوقة متاع عزيز.
وفي وصف أثر الطلاق يقول أحد الأعراب:
ندمت وما تغني الندامة بعدما
خرجن ثلاث ما لهن رجوع
ثلاث يحرمن الحلال على الفتى
ويصدعن شعب الدار وهو جميع
والتعبير بشعب الدار تعبير دقيق، ما كان يغني عنه أن يقول: (ويصدعن شعب القلب) لأن فراق الحليلة هدم للبيت من أساسه.
ومن شجي الشعر في ندامة المفارق عينية ابن زريق، وقد ترك ابنة عمه ببغداد ورحل إلى الأندلس في سبيل الرزق، ثم حيل بينه وبين ما يريد، فأرسل هذه الزفرة الباقية:
أستودع الله في بغداد لي قمرا
بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودعته وبودي لو يودعني
صفو الحياة وأني لا أودعه
وكم تشفع بي ألا أفارقه
وللضرورات حال لا تشفعه
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى
وأدمعي مستهلات وأدمعه
لا أكذب الله ثوب العذر منخرق
مني بفرقته لكن أرقعه
إني أوسع عذري في جنايته
بالبين عنه وقلبي لا يوسعه
أعطيت ملكا فلم أحسن سياسته
كذاك من لا يسوس الملك يخلعه
ومن غدا لابسا ثوب النعيم بلا
شكر عليه فعنه الله ينزعه
اعتضت من وجه خلي بعد فرقته
كأسا يجرع منها ما أجرعه
كم قائل لي ذنب البين قلت له
الذنب والله ذنبي لست أدفعه
هلا أقمت فكان الرشد أجمعه
لو أنني حين بان الرشد أتبعه
لو أنني لم تقع عيني على بلد